القامشلي

منذ ١٩٩٩ مستمرون

التجديد البيئي في سوريا.. قاعدة ضرورية لإعادة البناء والتصدي للتحديات المناخية
أخبار المحافظات

التجديد البيئي في سوريا.. قاعدة ضرورية لإعادة البناء والتصدي للتحديات المناخية

يشكّل الانتعاش البيئي جزءاً رئيسياً من جهود إعادة البناء وتحقيق التنمية المستدامة في سوريا، لأنه يتصل باستعادة الموارد الطبيعية، ودعم استقرار الإنتاج الزراعي، وتحسين مستوى حياة السكان. ولا تقتصر أهمية هذا المسار على معالجة الأضرار البيئية، بل تمتد إلى دعم التخطيط الإقليمي، وزيادة كفاءة استخدام الموارد، وتعزيز قدرة المناطق للتصدي للتحديات المناخية والاقتصادية. يوضح الخبير البيئي الدكتور إدريس يونس أن الانتعاش البيئي يجب أن يُعتبر عملية شاملة مرتبطة بإعادة البناء واستعادة النظم البيئية المتدهورة، وتقليل هشاشة النظم الزراعية، وتطوير طرق التخطيط الإقليمي، من أجل تحقيق انتعاش اقتصادي واجتماعي أكثر استدامة.

يرى الدكتور يونس أن إعادة البناء لا تقتصر على ترميم المباني والمنشآت وإعادة توفير الخدمات، بل تشمل أيضاً استعادة قدرة المناطق على الإنتاج وتوفير مقومات الحياة للسكان، مما يستلزم دمج البعد البيئي في برامج إعادة البناء منذ مراحل التخطيط المبكرة. وتكمن أهمية هذا النهج في الربط بين إعادة تأهيل البنية التحتية وحماية الموارد الطبيعية، حيث إن إعادة بناء المنشآت دون معالجة تدهور البيئة قد يؤدي إلى استمرار المشكلات السابقة وتقليل فرص تحقيق انتعاش اقتصادي واجتماعي مستدام.

وعلى إثر ذلك، يتطلب التعافي الوطني اتباع مقاربة تراعي الإمكانيات البيئية لكل منطقة، وتوازن بين متطلبات إعادة البناء والحفاظ على الموارد الطبيعية، مما يعزز استدامة المشاريع وقدرتها على تلبية احتياجات السكان على المدى الطويل. يؤكد الدكتور يونس أن أجزاء كبيرة من البيئة السورية تعرّضت لانتهاكات متراكمة، تفاقمت في مناطق عديدة بسبب الحرب، وشملت تدهور الأراضي الزراعية، وتراجع الغطاء النباتي، وتضرر الغابات والمراعي، واستنزاف الموارد المائية، وتلوثاً بكافة أشكاله.

تتطلب معالجة هذه التحديات النظر إلى مكونات البيئة كمنظومة مترابطة، إذ يؤثر تدهور التربة في الإنتاج الزراعي، ويؤثر استنزاف المياه على استقرار الأنشطة الاقتصادية والمعيشية، فيما يؤدي تراجع الغطاء النباتي إلى زيادة الضغوط على النظم الطبيعية. ويستدعي ذلك تحديد أسباب التدهور وتحديد أولويات التدخل وفق حجم الأضرار وأهمية المناطق المتضررة، والعمل على استعادة قدرة التربة والمياه والغطاء النباتي والنظم الطبيعية على أداء وظائفها البيئية والإنتاجية.

أشار الدكتور يونس إلى أن استقرار الإنتاج الزراعي مرتبط بشكل كبير بصحة التربة وتوافر المياه وإدارتها بكفاءة، وقدرة النظم الزراعية على التكيف مع الجفاف والتغيرات المناخية والضغوط الاقتصادية. ولهذا، يعتبر الانتعاش البيئي عاملاً أساسياً في دعم الأمن الغذائي، من خلال الحد من تدهور الأراضي، وتحسين كفاءة استخدام الموارد، وتقليل مخاطر تراجع الإنتاج، وتعزيز قدرة المزارعين والمجتمعات الريفية على مواجهة الأزمات. ولا يقتصر الهدف على استعادة مستويات الإنتاج الزراعي السابقة، بل يتعدى ذلك إلى بناء نظم زراعية أكثر استدامة ومرونة، قادرة على التكيف مع الظروف المتغيرة ومواجهة المخاطر المناخية والاقتصادية.

يحتاج تحقيق هذه الغاية إلى ربط برامج تأهيل الأراضي الزراعية بإدارة الموارد المائية وصون التربة واستعادة الغطاء النباتي، مما يعزز قدرة القطاع الزراعي على الاستمرار في الإنتاج، ويسهم في تحسين الظروف المعيشية في المناطق الريفية. كما أكد الدكتور يونس أن التنمية المتوازنة تتطلب تنسيقاً بين تخطيط المدن والأنشطة الزراعية والصناعية وإدارة المياه والموارد الطبيعية، بدلاً من التعامل مع كل قطاع بصورة منفصلة.

وأشار إلى أن الانتعاش البيئي يوفر أساساً علمياً لتحديد الإمكانات الطبيعية للمناطق وحدودها، وتوجيه استخدامات الأراضي وفق خصائصها، وتحديد المواقع المناسبة للاستثمارات والمشاريع التنموية، مع الحد من الضغوط التي قد تؤدي إلى المزيد من التدهور البيئي. دمج المعلومات البيئية والزراعية والمكانية في عمليات التخطيط الإقليمي يسهم في تحسين توزيع الأنشطة والخدمات، وتقليل التعارض بين استخدامات الأراضي، وتوجيه مشاريع إعادة البناء بما يتناسب مع احتياجات كل منطقة وخصائصها الطبيعية والاقتصادية. يساعد هذا النهج على رفع كفاءة استخدام الموارد المتاحة، وتعزيز التكامل بين القطاعات المختلفة، وتحسين قدرة الخطط التنموية على الاستجابة للتحديات البيئية والاقتصادية والاجتماعية.

أخيراً، أكد الدكتور يونس أن التفكير في الانتعاش البيئي كعملية شاملة يتيح الربط بين استعادة الموارد الطبيعية وإعادة البناء، واستقرار الإنتاج الزراعي، وتحسين الظروف المعيشية، ورفع كفاءة التخطيط الإقليمي. لا يُقاس نجاح هذا المسار بحجم المنشآت التي أُعيد بناؤها أو الأراضي التي أُعيد تأهيلها، بل بمدى القدرة على استعادة الوظائف البيئية والإنتاجية للمناطق، وتعزيز قدرتها على توفير مقومات الحياة للسكان، ومواجهة الأزمات المستقبلية بمرونة أكبر. لذلك، يشكّل دمج البعد البيئي في السياسات والبرامج التنموية أساساً لتعزيز استدامة التعافي، وتحقيق التوازن بين احتياجات التنمية ومتطلبات حماية الموارد الطبيعية، مما يدعم بناء مستقبل أكثر استقراراً للمجتمعات المحلية.


اشترك بالإعلام الفوري بالاخبار الجديدة بالإيميل .. ضع بريدك