القامشلي

منذ ١٩٩٩ مستمرون

دمشق.. تسعة آلاف سنة تُحكى من خلال الأسماء والكنى
أخبار المحافظات

دمشق.. تسعة آلاف سنة تُحكى من خلال الأسماء والكنى

من “جلق” إلى “الفيحاء”، وانتقالًا من “شام شريف” إلى “مدينة الياسمين”، تعددت أسماء وألقاب دمشق مع مرور الحضارات التي تمت عبر تاريخها الطويل، وعبّرت عن تاريخ مدينة استمرت فيها الحياة لآلاف السنين. وتتجاوز الذاكرة هنا حدود الحجارة والأسواق القديمة، لتصل إلى أسماء تدل على مكانة العاصمة السورية كإحدى أقدم المناطق السكنية المستمرة في العالم.

ويقول الباحث الاجتماعي والتاريخي محمد فياض الفياض إن جذور دمشق تعود إلى حوالي تسعة آلاف سنة قبل الميلاد أو أكثر، ويعتبرها الباحثون واحدة من أقدم المدن والعواصم في التاريخ. ويوضح أن تعدد تسمياتها ارتبط بخصائص المدينة الطبيعية، وأسماء شخصيات وأحداث تاريخية، بالإضافة إلى روايات دينية وتقسيمات إدارية وإقليمية.

ظهرت اسم دمشق في نصوص قديمة بصيغ متنوعة مثل: “دمسقا” و”دمسق” و”دار ميشق” و”داماسكوس”، بناءً على اختلاف اللغات والعصور. وذكر الفياض أن المدينة كانت تعرف في العصر الآرامي باسم “رأس بلاد آرام”، كما عرفت بأسماء أخرى مثل “بيت رمون” و”جبرون” و”حصن جيرون” و”دمترياس”. وأضاف أن الإمبراطور الروماني يوليانوس أطلق عليها لقب “عين الشرق”، وعرفت أيضًا بأسماء مثل “جنة الأرض” و”حاضرة الروم” و”بيت ملكها”.

وفي بداية الإسلام، ظهرت تسميات مثل “حصن الشام” و”باب الكعبة” و”فسطاط المسلمين”، بينما انتشر لقب “شام شريف” في العهد العثماني تعبيرًا عن مكانتها الدينية والتاريخية.

أما لقب “الفيحاء” فله صلة باتساع المدينة ووفرة بساتينها، بينما لقب “مدينة الياسمين” متجذر في الذاكرة الشعبية والأدبية، مستلهماً مكانة الياسمين في البيوت والحدائق الدمشقية.

ولا تنتهي الحكايات عند هذه التسميات؛ فقد ذكر الباحث الأثري جورج حداد رواية للكاتب البيزنطي ستيفانوس، الذي عاش في القرن السادس الميلادي، تربط اسم المدينة بالبطل “دمسكوس”، ابن الإله هرمس، الذي جاء من أركاديا اليونانية وبنى مدينة سميت باسمه. وتربط رواية أخرى الاسم بالبطل “آسكوس”. وذكر حداد أيضًا روايات ذكرها ياقوت الحموي عن ارتباط شخصيات دينية بدمشق، منها رواية تجعل المنطقة مسكناً لآدم وحواء وقابيل وهابيل، وأخرى تربطها بنوح – عليه السلام – وما تلا الطوفان، وتظل هذه الحكايات جزءًا من الروايات التاريخية والدينية المتداولة، دون حقائق مؤكدة بشأن نشأة المدينة.

لم تنفصل مكانة دمشق التاريخية عن موقعها الجغرافي؛ فقد شكلت نقطة وصل بين الجزيرة العربية وشرق المتوسط، وممرًا مهمًا للقوافل التجارية. ويصف الدكتور بسام جاموس، في مجلة “مهد الحضارات”، دمشق بأنها من المدن البارزة بتنويع حضاراتها، مشيراً إلى دورها في طرق القوافل وارتباطها بالغوطة ونهر بردى.

ومع الفتح الإسلامي، دخلت المدينة مرحلة مفصلية في تاريخها، حيث أصبحت عاصمة للدولة الأموية عام 661م، ومركزًا سياسيًا وثقافيًا امتد تأثيره إلى مناطق واسعة. وبعد انتقال مركز الخلافة إلى بغداد في العصر العباسي، توالت على دمشق دول وحكام، من الأيوبيين والمماليك إلى العثمانيين، وخلفوا آثارًا معمارية تعكس تنوع العصور.

وقد استمرت دمشق في الحضور بالأدب أيضًا، فوصفها أبو الحسن الغرناطي بالفردوس الأرضي الذي ينسى فيه الغريب اغترابه، بينما رأى ابن بطوطة أن محاسنها تتجاوز ما يمكن للأوصاف أن تنقله.

بين الأسماء القديمة والألقاب الأدبية، وبين الأسواق العتيقة وعطر الياسمين، تواصل دمشق حمل آثار الحضارات التي مرت عبرها. إنها مدينة لا تختصرها تسمية واحدة، بل تتكون هويتها من روايات وتواريخ ومعالم، ومن حياة متصلة بأحيائها عبر العصور.


اشترك بالإعلام الفوري بالاخبار الجديدة بالإيميل .. ضع بريدك