المُسنّ.. تجارب تستوجب التقدير والرعاية
لا تُقاس قيمة الفرد بما جمعه من تجارب ومعارف ومواقف ساهمت في تكوين شخصيته ورؤيته للحياة. لذا، فإن المسنين يمثلون كنزًا إنسانيًا واجتماعيًا لا ينبغي تجاهله، فهم يحملون في ذاكرتهم تفاصيل مراحل زمنية وتجارب حياتية يمكن أن تستفيد منها الأجيال الجديدة، إضافة إلى القيم والمبادئ التي كانت أساس العلاقات الاجتماعية والعائلية في الماضي.
وفي هذا السياق، تؤكد المرشدة الاجتماعية لبانة حمدان، أن المسنين “مصدر لتعلم كيفية التعامل مع الحياة”، فقد صقلت التجارب والمواقف التي مروا بها عبر السنوات خبرتهم ونضجت تفكيرهم، ولذلك لا يمكن التخلي عن آرائهم ووجهات نظرهم حتى وإن اختلفت أحيانًا مع تصورات الأجيال الحديثة، لأن الكثير من تلك الآراء يثبت صحتها مع مرور الزمن.
الاهتمام بكبار السن يعتبر واجبًا إنسانيًا وعائليًا، خاصة أن الإنسان بعد عمر معين قد يحتاج لمن يساعده في تلبية بعض احتياجاته اليومية. وتشير إلى أن العناية يجب أن تكون صحية وبدنية ونفسية في آن واحد.
فيما يخص الجانب الصحي، يتطلب الأمر متابعة حالاتهم الصحية بانتظام، وعدم تجاهل أي عرض مرضي، والحرص على مواعيد الأدوية والنظام الغذائي الملائم، مما يساعد في تقليل آثار الأمراض وإبطاء التدهور الصحي.
أما على الصعيد الجسدي، فتتمثل الرعاية في مساعدتهم على الاهتمام بنظافتهم الشخصية وصحتهم وقوتهم، ودعمهم في الأعمال التي قد يجدون صعوبة في تنفيذها بمفردهم.
في حين أن الرعاية النفسية لا تقل أهمية عن الجانبين الصحي والبدني، إذ يحتاج المسن إلى الدعم العاطفي والمعنوي، والإحساس بالاحترام والتقدير، والانصات إليه عند الكلام، وعدم مقاطعته أو التقليل من آرائه، كما أن تذكر إنجازاته ومواقفه المهمة في الحياة وإشعاره بأهميته داخل العائلة والمجتمع، جميعها أمور تعزز ثقته بنفسه وتمنحه إحساسًا بالأمان والانتماء.
بخصوص استفادة الجيل الجديد من تجارب الكبار في السن، ترى حمدان أن الكثير من الأمثال الشعبية المتداولة حتى اليوم ليست سوى خلاصة تجارب خاضها الأجداد، اختزلوها في عبارات موجزة يسهل حفظها وتناقلها بين الأجيال، لتبقى شاهدة على مسيرتهم ودروسهم في الحياة.
تشير حمدان إلى أن المجتمع لا يزال بحاجة إلى العديد من القيم والمبادئ التي تمسك بها كبار السن، باعتبار أن نمط حياتهم كان أكثر بساطة وهدوءًا من حيث العلاقات الإنسانية، بعيدًا عن ضغوط الكماليات وتسارع الحياة المعاصرة.
وتتمحور تلك القيم حول المحبة والمساعدة والدعم وجمع الشمل، وستر العيوب، وإكرام الضيف، وبشاشة الوجه، وصلة الرحم، وضبط النفس، واحترام الجار وتقديره، وغيرها من القيم التي تعزز الألفة والمحبة بين أفراد العائلة والمجتمع.
تنبه حمدان إلى أن بعض أنماط الحياة الحديثة دفعت الناس نحو مزيد من الانغلاق على الذات، في ظل اتساع العالم الافتراضي وتراجع التواصل الاجتماعي الحقيقي، مما قد يزيد من الضغوط النفسية والشعور بالعزلة. بينما توفر العلاقات الإنسانية الأصيلة التي تقوم على الألفة والتواصل الحقيقي للإنسان شعورًا بأنه غير وحيد، وأن هناك من يشعر به ويدعمه عند الحاجة.
إن احترام المسنين لا ينبغي أن يكون مجرد واجب اجتماعي أو مجاملة، بل هو تقدير لتاريخ وتجارب وذاكرة اجتماعية متراكمة، فمن خلالهم تنتقل الأسر قصصها وقيمها، وتتعرف الأجيال الجديدة على محطات من الماضي ودروس الحياة التي لا توفرها الكتب دائمًا.
في الختام، يظل المسنون قيمة إنسانية كبيرة، وخبرة تستحق الإصغاء والتقدير والاستفادة منها، وهم أصحاب حق علينا في الرعاية والاحترام، كما أن تذكر أعمالهم وقيمهم يمثل حفاظًا على جزء أصيل من ذاكرتنا الاجتماعية، وجسرًا يصل الماضي بالحاضر ويمهد للأجيال القادمة مستقبلاً أكثر تماسكًا وإنسانية.

