هارمان سينغ كابور: الذي دعا إلى تدمير غزة يطلب الآن الرحمة من الزبائن
في مشهد يجسد أقصى درجات النفاق الأخلاقي، ظهر هارمان سينغ كابور، صاحب مطعم «سينغز داينينغ» (Singh’s Dining) في لندن، يناشد الجمهور عبر منصة إكس: «أرجوكم ساعدوني، احجزوا في المطعم». الرجل الذي كان قبل أشهر قليلة يسخر من بقاء مبنى في غزة ويطالب بنيامين نتنياهو والجيش الإسرائيلي بتدميره، بات اليوم يواجه خطر الإفلاس ويطلب من الناس أن ينقذوا مشروعه التجاري.
كابور، البريطاني من أصل هندي السيخي، ليس غريبًا عن الاستفزاز. سبق له أن نشر فيديو يظهر فيه مبنى في غزة (مدرسة القادسية للبنات كما حدده هو نفسه) ويسأل بسخرية: «لماذا لا يزال هذا المبنى قائمًا؟» ثم يتوجه مباشرة إلى نتنياهو والقوات الإسرائيلية مطالبًا بمواصلة التدمير. لم يكن ذلك مجرد تعليق عابر، بل دعوة صريحة إلى استمرار القصف على منطقة شهدت آلاف الضحايا من الأطفال والنساء والمدنيين. الرجل نفسه معروف بمواقفه المعادية للمسلمين، ورفضه تقديم اللحوم الحلال في مطعمه السابق «رانغريز»، وحرصه على إبراز هويته «غير الحلال» كشعار سياسي.
اليوم، بعد أن تراكمت التقييمات السلبية على غوغل (التي يصفها هو بأنها «مزيفة» بينما يدّعي أن التقييمات الإيجابية الحقيقية تُحجب)، وبعد تراكم الإيجارات والضغوط المالية، قرر أن يبتلع كبرياءه ويطلب المساعدة. يناشد الزبائن حجز الطاولات، ويطلب من الآخرين مشاركة منشوره، ويؤكد أن مطعمه «يفتخر بأنه غير حلال». يريد من الناس أن ينسوا ما قاله وما دعا إليه، وأن يدعموا مطعمه كي لا يغلق.
هنا يكمن جوهر القضية. ليس الأمر خلافًا سياسيًا عاديًا، ولا مجرد رأي مختلف. عندما يدعو شخص علنًا إلى مواصلة تدمير أحياء سكنية ومدارس ومستشفيات في غزة، وهو يعلم أن الضحايا هم في غالبيتهم نساء وأطفال ومدنيون، فإنه يضع نفسه خارج دائرة التعاطف الإنساني. من يشجع على قتل الأبرياء لا يحق له أن يطلب الرحمة عندما تدور عليه الدائرة. من يحتفل بالمباني المهدمة والجثث تحت الركام لا يستطيع فجأة أن يتحدث عن «الضمير» و«المساعدة» و«النجاة من الإفلاس».
ردود الفعل على مواقع التواصل كانت واضحة وقاسية، وهذا أمر طبيعي. آلاف التعليقات ترفض أي دعم له، وتطالب بإعطائه تقييمات سيئة، وتذكّره بأن «من يعمل مثقال ذرة شرًا يره». البعض يقول «حسبي الله ونعم الوكيل»، والبعض الآخر يتمنى إغلاق المطعم نهائيًا، والبعض يطالب بنشر اسم المطعم ليشارك أكبر عدد ممكن في رفض التعامل معه. هذه ليست حملة كراهية عشوائية، بل رد فعل أخلاقي على شخص اختار أن يقف في صف القتل والتدمير ثم يطلب من ضحايا هذا التوجه (أو من المتعاطفين معهم) أن ينقذوا رزقه.
الناس ليسوا ملزمين بتمويل من يحتقر معاناتهم. المال الذي يُدفع في مطعم ليس مجرد ثمن وجبة، بل هو دعم لصاحبه ولمواقفه. عندما يختار صاحب المطعم أن يتحول إلى داعية للقتل، فإنه يختار أيضًا أن يخسر شريحة واسعة من الزبائن. هذا ليس «إلغاءًا» ولا «اضطهادًا»، بل ممارسة طبيعية لحرية الاختيار. من يريد أن يدعم كابور فليذهب إليه، ومن يرفض أن يضع ماله في جيب من دعا إلى تدمير غزة فله كل الحق في ذلك.
المفارقة المرة أن كابور يتحدث الآن عن «الظلم» الذي يتعرض له من التقييمات السلبية، بينما لم يُظهر أي اهتمام بمعاناة آلاف العائلات التي دُمرت بيوتها وفقدت أبناءها في غزة. هو يرى أن تقييمًا بنجمة واحدة على غوغل جريمة تستحق الاستغاثة، أما القصف الذي يطال المدارس والمنازل فهو أمر يستحق التشجيع. هذا الانتقاء الأخلاقي هو ما يجعل موقفه مقززًا إلى هذا الحد.
في النهاية، الدرس واضح: الكلمات لها ثمن، والمواقف لها عواقب. من يختار أن يقف مع الموت والدمار لا يستطيع أن يتوقع من الناس أن يقفوا معه عندما يتعثر مشروعه. هارمان سينغ كابور طلب المساعدة، والجواب الذي جاءه من آلاف الناس كان واضحًا: لا. لن نحجز في مطعمك، ولن نشارك منشورك، ولن ننسى ما قلته. من دعا إلى تدمير غزة لا يستحق أن يُنقذ مطعمه بأموال من يرفضون هذا التدمير.
الضمير ليس سلعة تُشترى عند الحاجة وتُباع عند الراحة. ومن لا يملكه في مواجهة معاناة الآخرين، لا يحق له أن يطلبه لنفسه.

