الحزن في عصر التفرقة.. «فيسبوك» كتعويض رمزي عن المقابر السورية
في ظل عوائق الجغرافيا وتشتت الأزمات التي تفرق بين الأهل عبر قارات ومخيمات ومدن بعيدة، يتوقف الزمن المادي ليظهر زمن بديل. في الواقع السوري الحالي، لم تعد إشعارات وسائل التواصل، خاصة الفيسبوك، مجرد مكان لمتابعة الأخبار أو تبادل التهاني العادية، بل أصبحت على مر السنين وبفعل اندثار مراسم العزاء التقليدية، أشبه بمقبرة إلكترونية أو ذاكرة مفتوحة.
بسبب صعوبة زيارة القبور أو دفن الأحبة بالطرق التقليدية، اضطر السوريون للجوء إلى نافذة أخيرة وملاذ افتراضي من خلال صفحات الراحلين. لم تعد هذه الظاهرة مجرد تعاطف رقمي مؤقت، بل تعكس تحولاً اجتماعياً ونفسياً يعيد المجتمع السوري من خلاله صياغة طقوس الفقد في زمن الشتات.
أوضحت أريج عبيد، المستشارة الاجتماعية، أن العادات في الشرق تعتمد على الطقوس المادية مثل الجنازات والتجمعات للعزاء وزيارة القبور، إلا أن واقع السوريين الجغرافي الجديد أحدث قطيعة في هذه العادات. عدم القدرة على حضور مراسم الدفن يجعل العقل في حالة يطلق عليها “الحزن المعلق”. هنا تلعب الصفحة الرقمية دوراً رمزياً بديلاً للمكان الذي يصعب الوصول إليه.
تتحول شاشة الكمبيوتر بعد الإعلان عن وفاة الشخص إلى مكان تفاعلي خاص، حيث يتواصل الناس مباشرة مع المتوفى عبر تعليقات مؤثرة مثل: “غادرت بسرعة، كيف سنعتاد على غيابك”. ويستمر الأهل والأصدقاء في زيارة الصفحة في المناسبات وكأنهم يزورون مقبرة. آخر صورة أو منشور للمتوفى تأخذ قيمة رمزية تتضاعف عندما تذكرهم خوارزميات المنصة بالذكريات.
التكنولوجيا تقدم تحديات نفسية لعائلة المتوفى، حيث تتعامل مع الحساب كأن صاحبه حي، مما يسبب صدمات نفسية. لكن هذه الصفحات توفر دعماً اجتماعياً عابراً للحدود، وتخفف من عزلة المغترب في مواجهة الحزن.
تساؤلات تثار حول الجدوى النفسية من هذه الصفحات: هل تعتبر وسيلة للتعافي أم تُعلق الأسر في مرحلة الإنكار؟ استمرار الحسابات دون أرشفة قد يطيل فترة الحداد، لكن بالرغم من ذلك يعتبرها كثير من السوريين سجلاً اجتماعياً ووثيقة تاريخية تحفظ أرواح أحبائهم من النسيان.
ختمت عبيد حديثها بأن هذه المقابر الرقمية ليست خياراً طوعياً، بل هي نتاج واقع فرضه التشتت، وتعكس قدرة الإنسان على ابتكار طرق للاحتفاظ بالذكرى وتأكيد الروابط، حتى لو كانت عبر شاشة صغيرة تفصل بين قارات بعيدة.

