القامشلي

منذ ١٩٩٩ مستمرون

ساعات دراسة ممتدة ودروس إضافية ثقيلة: هل نضغط على أبنائنا دون جدوى؟
مجتمع

ساعات دراسة ممتدة ودروس إضافية ثقيلة: هل نضغط على أبنائنا دون جدوى؟

التلاميذ اليوم يواجهون نظامًا تعليميًا مرهقًا يمتد لساعات طويلة، حيث يغادرون المدرسة وهم منهكون ليدخلوا في جولة جديدة من الواجبات والدروس الخصوصية عندما يعودون إلى المنزل. هذا التكدس يعطل ليس فقط الأجساد، بل أيضًا يحجب شغف التعلم، ويحول التعليم إلى سباق مؤقت على الدرجات، مما يدفع الطالب للاعتماد على الحفظ بدلاً من الفهم العميق. في ذات الوقت، يعيش الأهل في قلق دائم من ضعف التحصيل الدراسي أو الفشل في سد ثغرات التعلم، مما يضاعف من الضغط على الأطفال ويحول المنزل إلى امتداد للمدرسة، بدلاً من أن يكون فضاءًا للراحة والتوازن.

تحذر المتخصصة التربوية رنا يزبك من الوضع الحالي للطلبة: حيث أنهم يقضون ساعات طويلة في المدرسة، يليها واجبات منزلية ودروس خصوصية غالبًا ما تأتي لتغطية ثغرات سببها الإرهاق ذاته. الأطفال بحاجة إلى استراحة ذهنية لترسيخ ما تعلموه، في حين أن الدروس الخصوصية الحالية تزيد من الضغط بدلاً من تعزيز التعلم. وتشير رنا إلى أن هذا الأسلوب لا يؤثر فقط على الأداء الأكاديمي، بل يمتد إلى الصحة النفسية للطفل، حيث يزيد من القلق والتوتر، ويقلل الحماس للتعلم والاكتشاف، وقد يؤدي في بعض الحالات إلى فقدان الثقة بالنفس عند مواجهة الامتحانات.

المعلمة عفراء تشرح أن المشكلة تبدأ من الصفوف الابتدائية: الأطفال في هذه المراحل لا يستطيعون تحمل يوم دراسي طويل، فكيف يُتوقع منهم استكمال ساعات إضافية في المنزل؟ يصل التلميذ منهكًا، والواجبات والدروس الخصوصية تزيد الأمر سوءًا. وتؤكد أن العديد من الأهالي يعتقدون أن الكمية تعوض الفهم، بينما النتيجة غالبًا عكسية. وتشير إلى أن الأطفال في هذه المرحلة يحتاجون إلى نشاطات ترفيهية وفنية لتطوير مهاراتهم الإدراكية والاجتماعية، بدلًا من المزيد من الحفظ والمراجعة المكثفة.

من جانبه، يرى الأستاذ نعيم، مدرس الفيزياء، أن المرحلة الثانوية تحمل ضغوطًا مضاعفة: “نصل إلى الحصة الأخيرة، فنجد الطالب منهكًا ذهنيًا، ثم يعود ليأخذ درسًا في الفيزياء أو الرياضيات في المنزل! العقل في هذه الحالة لم يعد قادرًا على التعلم الفعلي”. ويشير نعيم إلى أن هذا المنهج يحول التعليم إلى سباق درجات، ويعيق تنمية مهارات التفكير النقدي والتحليلي، ويقلل من قدرة الطالب على ربط المعلومات وفهمها بشكل أعمق.

يعبر طالب في الصف السادس عن معاناته قائلاً: أعود من المدرسة مرهقًا، أتناول الغداء، ثم أذهب مباشرة إلى الدرس الخصوصي بلا فرصة للراحة أو اللعب. “طفولتي تضيع بين المدرسة والدروس، ونعيش ضغطًا كبيرًا من أجل الدرجات. لم أعد أحب المدرسة… الواجبات أصبحت عبئًا وأشعر بالخوف منها”. يعكس هذا الطالب كيف أن الضغط المستمر يجعل الأطفال يفقدون شغفهم بالتعلم، ويزيد من القلق ويؤثر على أدائهم رغم الساعات الطويلة المخصصة للدراسة.

في حين أن الطلاب يعانون من عبء دراسي مكثف، تعتمد أنظمة تعليمية متقدمة في بعض الدول الأوروبية على مبدأ الساعات الذكية بدل الساعات الطويلة، حيث يتضمن اليوم الدراسي فترات قصيرة وحصص مركزة، واجبات منزلية أقل لكنها فعّالة، واستراحات ذهنية منتظمة خلال اليوم الدراسي، وتقليل الاعتماد على الدروس الخصوصية. تقوم فلسفة هذه الدول على أساس أن الطفل المرتاح يملك عقلًا قادرًا على التعلم الفعّال، مما يشير إلى أن جودة التعليم لا تتعلق بطول اليوم الدراسي بل بكيفية استثمار الوقت والتركيز على الفهم والمهارات بدلاً من الحفظ.

وفقًا للمعلمين والخبراء التربويين، تتمثل أسباب إرهاق الطلاب في يوم دراسي يتجاوز قدرة الطفل الطبيعية، وتراكم واجبات منزلية غير ضرورية، وتضخم الدروس الخصوصية لسد الثغرات، وضغط الأهل خوفًا من انخفاض الدرجات، ومناهج تعتمد الحشو بدل المهارات، وغياب الراحة الذهنية اللازمة لاستيعاب المعلومات، واختفاء وقت اللعب والهوايات. هذه العوامل مجتمعة تؤدي إلى فقدان الطفل لشغفه بالتعلم وزيادة التوتر والقلق، كما قد تتسبب في ظهور أعراض جسدية مرتبطة بالإرهاق المستمر مثل الصداع والتعب المزمن.

تؤكد الأخصائية التربوية رنا يزبك على أهمية كسر دائرة الإرهاق وتحقيق تعلم متوازن للطلاب. وللتخفيف من الضغط على الطالب، يجب تنظيم وقت الدراسة بين المدرسة والواجبات والدروس الخصوصية وأوقات الراحة، مع مراعاة عدم تحميل الطفل أكثر من طاقته. من الضروري اعتماد فترات راحة قصيرة بين الحصص والدروس المنزلية ليستطيع العقل استيعاب المعلومات، والتركيز على الجودة وليس الكمية، أي تشجيع التعلم الفعّال والفهم العميق بدلًا من الحفظ السطحي. كما توصي بتعليم الطلاب مهارات تنظيمية لتقسيم المواد والواجبات المعقدة إلى أجزاء أبسط، وتشجيع النشاطات الحركية والفنية يوميًا لتفريغ الطاقة وتحفيز التفكير الإبداعي، وتعزيز التواصل الإ


تابعوا صفحاتنا على وسائل التواصل


اشترك
بالإعلام الفوري بالاخبار الجديدة بالإيميل .. ضع بريدك

  



اشترك بالإعلام الفوري بالاخبار الجديدة بالإيميل .. ضع بريدك