القامشلي

منذ ١٩٩٩ مستمرون

هنا انطلقت الحكاية.. المسجد العمري في درعا رمز الثورة ومهد بدايتها
أخبار المحافظات

هنا انطلقت الحكاية.. المسجد العمري في درعا رمز الثورة ومهد بدايتها

لا يكاد يُذكر تاريخ بداية الاحتجاجات السورية في 18 آذار 2011، إلا ويرتبط اسم الجامع العمري في درعا بهذه الذكرى، حيث كان أول مركز للاحتجاجات، ومنه انطلقت أول التظاهرات المناهضة للنظام المستبد ليصبح ملتقى للمظاهرات الشعبية آنذاك، ومنصة للناشطين، وشاهدًا على لحظة تاريخية حاسمة شهدتها سوريا، تحولت فيها من القمع إلى طريق الحرية.

يعتبر “العمري” من أقدم المساجد في سوريا، وترجع أصول بنائه إلى زمن الخليفة عمر بن الخطاب في القرن السابع الميلادي. وذكرت المصادر التاريخية أن البناء شهد إضافات وترميمات على مر العصور، خاصة في العهدين الأيوبي والمملوكي، وظل يحتفظ بطابعه المعماري الإسلامي الأول، مع سقوفه المقببة، ومئذنته المربعة ذات الطراز المملوكي، والأقواس الحجرية المنحوتة بدقة، لتكون مجتمعة بنية معمارية تجسّد معالم التاريخ الإسلامي المبكر في منطقة حوران.

شهد المسجد عبر العصور تحولات كثيرة ليس فقط في تكوينه المعماري، بل أيضاً في دوره ورمزيته، إذ لم يكن فقط مكانًا للصلاة، بل مركزًا للحياة الثقافية في درعا. في ساحاته كانت تُقام حلقات العلم، ومنها تخرج العديد من العلماء الذين أثروا الحياة الاجتماعية في المنطقة، وكانت المجالس تُعقد في باحاته، وتُعقد فيها المصالحات العشائرية التي اشتهرت بها حوران.

بالإضافة إلى قيمته التاريخية والدينية، يحمل الجامع العمري أهمية ثورية، إذ شهد بداية الانتفاضة ضد النظام القمعي في آذار 2011، وتعرض لقصف أدى إلى تدمير مئذنته بالكامل وأضرار كبيرة في ساحاته.

تستعيد ذاكرة الكثير من أبناء المنطقة تلك الفترة، مؤكدين أنه منذ انطلاق التظاهرات داخله، تحول الجامع إلى رمز لصمود أهالي المحافظة، وقامت قوات النظام باقتحامه بعدما لم تمضِ سوى أربعة أيام على بداية المظاهرات، وتم اقتحام أحياء درعا البلد والتوجه نحو الجامع العمري بعد قطع الكهرباء والاتصالات، ووجهت المساجد نداءات استغاثة لإنقاذ الجرحى وطلب الدعم.

يروي العديد من أبناء المنطقة الذين شهدوا تلك الأحداث كيف منعت قوات النظام سيارات الإسعاف من الوصول لإسعاف الجرحى، بينما واجه المواطنين في درعا البلد بالرصاص. ارتكبت قوات النظام مجزرة خلال فض اعتصام الجامع العمري حيث قتل 11 شخصًا على الأقل، ومن بين الضحايا الطفلة ابتسام محمد قاسم المسالمة والطبيب علي غصاب المحاميد الذي قتل أثناء محاولته إسعاف الجرحى.

وفي اليوم التالي، تعرضت المظاهرات المناهضة للنظام الرصاص الحي من قوات الأمن، مما أدى إلى سقوط العشرات من الجرحى والشهداء.

استمرت الأحداث أسبوعًا بعد آخر، وبقي الجامع العمري مركزًا لتلك الأحداث وتحول إلى رمز للثورة، مرتبطًا بأهالي درعا ارتباطًا يتجاوز العبادة الدينية ليصل إلى ذاكرة جماعية وانتماء مكاني. حاول النظام محو هذه الرمزية دون جدوى، مستهدفًا المسجد بعشرات القذائف التي حولته إلى ساحة معارك، قبل أن يدمر مئذنته التاريخية في نيسان 2013.

اليوم، يظل الجامع العمري شاهدًا على تاريخ درعا، جامعًا شكل محورًا ثقافيًا وروحيًا واجتماعيًا لسكان المدينة عبر العصور، يروي تاريخ مدينة وقصة ثورة انتصرت بفضل تضحيات أبنائها ودمائهم الطاهرة التي مهدت الدرب للتحرير.


اشترك بالإعلام الفوري بالاخبار الجديدة بالإيميل .. ضع بريدك