التأقلم مع التحولات الاقتصادية عنصر جوهري للحياة اليومية في سوريا

التأقلم مع التحولات الاقتصادية عنصر جوهري للحياة اليومية في سوريا

الحرية- ثناء عليان:

مع المتغيرات الاقتصادية التي شهدتها سوريا في الأعوام الأخيرة، أصبح مفهوم “اقتصاد التكيف” حقيقة ملموسة في كافة جوانب الحياة اليومية والاقتصادية، سواء للأفراد أو الشركات والمؤسسات. وعلى الرغم من المرونة التي يمتاز بها هذا الاقتصاد، تسببت الأوضاع المعيشية في سوريا بتحديات لا يمكن حلها بسهولة، مما يفرض على المواطن أن يكيف نفسه معها.

إعادة تحديد الأولويات

ولا يمكن إغفال التأثير الكبير لتقلبات سعر العملة وما أحدثته من فجوة ضخمة في تكاليف الحياة اليومية للأسرة، حيث بلغت الفارق 85% بين الأجور والمستلزمات الحيوية، ما دفع الأسر السورية لإعادة هيكلة أولوياتها والتركيز على الأساسيات، وبالمثل أعادت الشركات صياغة أعمالها لتتناسب مع الانخفاض الحاد في القدرة الشرائية. مع العلم أن تعديل الأولويات سواء للأفراد أو للشركات مستمر حتى اليوم ويتغير كل فترة، نتيجة لعدم استقرار الوضع الاقتصادي لفترة طويلة، وبالتبعية يبقى اقتصاد التكيف هو الأساس للحياة اليومية في سوريا.

خبير اقتصادي: الروابط الأسرية والتضامن المجتمعي دعمت المجتمع السوري في مواجهة الأزمات

الاهتمام بالضروريات

وفي هذا السياق يوضح الباحث الاقتصادي الدكتور شادي أحمد أن اقتصاد التكيّف هو ببساطة الطريقة التي يحاول فيها الأفراد التعايش مع الارتفاع في الأسعار عندما تصبح تكاليف الحياة تفوق مستوى الدخل بشكل كبير، في هذه الحالة لا يكون الهدف تحسين مستوى المعيشة، بل كيفية تدبير الشؤون اليومية بالحد الأدنى الممكن.

في سوريا أصبحت هذه الظاهرة واضحة خلال السنوات الأخيرة، حيث اضطرت أغلب الأسر إلى إعادة ترتيب أولوياتها الاقتصادية والتركيز فقط على الاحتياجات الأساسية.

فجوة بين الأجور وتكاليف الحياة

حول حجم الفجوة بين الأجور وتكاليف الحياة للأسرة السورية، أوضح أحمد أن التقديرات تشير إلى أن أقل حد لتكاليف معيشة أسرة تتألف من خمسة أفراد يتراوح حالياً بين 7 و8 ملايين ليرة شهرياً، بينما قد يبلغ مستوى المعيشة المتوسط 10 أو 12 مليون ليرة في الشهر.

ويضيف أحمد أن متوسط الرواتب في القطاعين العام والخاص يقارب المليون ليرة شهرياً، مما يعني أن الأجور تغطي 10 إلى 15% فقط من الحد الأدنى لتكاليف المعيشة، وهي فجوة كبيرة تفسر اعتماد معظم الأسر على أكثر من مصدر دخل أو على التحويلات العائلية والمساعدات.

خطوات التكيف..

وحول كيفية تكيف الأسر مع هذه الفجوة، يؤكد أحمد أن التكيف يتم عادة من خلال ثلاث خطوات رئيسية هي: أولاً، تقليل الإنفاق للحد الأدنى والتركيز على الطعام والدواء فقط؛ ثانياً، محاولة زيادة الدخل من خلال أعمال إضافية أو مشروعات صغيرة أو مساهمة أكثر من شخص في العمل؛ ثالثاً، تغيير نمط الاستهلاك بشراء كميات أقل من السلع أو البحث عن بدائل منخفضة التكلفة. وبرأيه، تعتبر هذه التدابير أساليب يومية وليست حلاً اقتصادياً حقيقياً لتدبر الحياة في ظل الظروف الراهنة.

التكيف يشمل الأفراد والشركات

ويشير أحمد إلى أن اقتصاد التكيّف لا يقتصر على الأفراد فقط، بل يشمل أيضاً الشركات والقطاع التجاري، حيث قامت العديد من الشركات بتقليل الإنتاج أو التركيز على المنتجات الأكثر طلباً بسبب انخفاض القدرة الشرائية للمواطنين. كما اتجهت البعض منها إلى تقليل النفقات أو تعديل نمط العمل، بينما اختار بعض المستثمرين التوجه نحو المشاريع الصغيرة السريعة بدلاً من الاستثمارات الكبيرة التي تتطلب استقرار اقتصادي طويل الأمد.

أثر اقتصاد التكيف على العلاقات الاجتماعية

وأضاف أحمد أن اقتصاد التكيّف يؤثر أيضاً على العلاقات المجتمعية بسبب الضغوط المعيشية التي تؤثر بشكل مباشر على الحياة اليومية، مشيراً إلى أن العديد من الأسر لم تعد تستطيع تحمل مصاريف المناسبات الاجتماعية كالزواج أو الزيارات أو الهدايا كما في السابق.

ولكن على الجانب الآخر، يوضح أحمد، أن الروابط الأسرية والتعاون الاجتماعي لا تزال تلعب دوراً مهماً في تخفيف تأثيرات الأزمة، وهو أحد العناصر التي ساعدت المجتمع السوري على الصمود رغم صعوبة الأوضاع الاقتصادية.


اشترك بالإعلام الفوري بالاخبار الجديدة بالإيميل .. ضع بريدك