مارس السوري… الصحفيون يعبرون عن رأيهم في ذكرى الانتفاضة ويسترجعون صوت البلاد
في كل شهر مارس، لا تبقى ذكرى الثورة السورية مجرد تذكر لحدث ماضٍ، بل تتحول إلى ساحة مفتوحة للكلمة، للكشف، ولإعادة سرد القصة كما عاشها السوريون. وفي قلب هذه الساحة، يقف الصحفيون السوريون ليعبروا عن موقفهم؛ ليس فقط كمراسلين للحدث، بل كمشاركين في تشكيل الوعي الجماعي، وحماة لذاكرة وطنٍ سُجل تاريخه بالصوت والصورة والكلمة.
هذا العام، تزداد رمزية هذه الذكرى مع تزامنها مع عيد الفطر المبارك، الذي يضفي عليها بُعداً إنسانياً وروحانياً عميقاً، ويمنحها طابعاً من الانتصار المعنوي بعد طول انتظار. وكأن الإعلام، في هذه اللحظة، لا يكتفي بنقل الحدث، بل يساهم في إعادة بناء المعنى، وتأكيد أن ما بدأ في مارس لم يكن مجرد احتجاج، بل لحظة وعي جماعي أعادت تعريف سوريا كهوية جامعة لكل مواطنيها.
منذ البداية، لعب الإعلاميون دوراً أساسياً في نقل صورة الثورة إلى العالم، متحدّين الأخطار والظروف، ومؤكدين أن الكلمة يمكن أن تكون أداة في مواجهة التعتيم. لم تكن مهمتهم سهلة، لكنهم استطاعوا أن يحفظوا تفاصيل القصة، وأن يمنحوا صوتاً لمن لا صوت له.
الصحفي عز الدين ملا يؤكد أن “ذكرى الثورة هي قبل كل شيء معركة ذاكرة، والإعلاميون هم الدرع الأول لها. ما لم يُحك قد يُنسى، وما لم يُوثق قد يُحرّف”. ويضيف: “في كل مارس، نحن لا نعيد سرد القصة فقط، بل نعيد تثبيت الحقيقة، ونذكر بأن الثورة كانت لحظة جامعة كسرت كل الحواجز بين السوريين”.
دور الإعلام تجاوز التوثيق، ليكون جسراً بين مختلف مكونات المجتمع السوري. الكلمة التي انطلقت من مدينة وصلت إلى أخرى، والصورة التي التُقطت في مكان أثرت في وجدان السوريين في كل مكان، لتؤكد أن الألم والأمل واحد.
الإعلامية والناشطة منى داوود ترى أن “الإعلام لعب دوراً مهماً في إظهار وحدة السوريين، رغم كل محاولات التفريق. الكاميرا لم تفرق بين أحد، بل نقلت الواقع كما هو، وأظهرت أن السوريين، بتنوعهم، كانوا جزءاً من قصة واحدة”. وتضيف: “في ذكرى الثورة، لا نكتفي بالتذكر، بل نؤكد أن الكلمة ما تزال قادرة على جمع السوريين حول قيم الحرية والكرامة”.
مع مرور السنوات، لم يتراجع دور الإعلاميين، بل تطور ليصبح أكثر عمقاً وتأثيراً. فبعد أن كان التركيز على نقل الحدث، بات اليوم موجهاً نحو تحليل التجربة، واستخلاص الدروس، والمساهمة في بناء وعيٍ قادر على حماية المستقبل.
الصحفي محمد رنكي يشير إلى أن “أهم ما يمكن أن يقدمه الإعلام في هذه المرحلة هو إعادة التأكيد على القيم التي انطلقت من أجلها الثورة. نحن لا نعيد فتح الجراح، بل نسعى للحفاظ على المعنى، ومنع ضياعه في خضم الضجيج”. ويضيف: “ذكرى الثورة ليست فقط مناسبة عاطفية، بل فرصة لإعادة بناء الخطاب الوطني على أسس جامعة”.
في هذا الموسم، يكتسب عيد الفطر المبارك قيمة إضافية، حيث يتقاطع مع رسالة الإعلام في إبراز الأمل بعد المحن. فكما يأتي العيد بعد الصيام، تأتي الكلمة الصادقة بعد صمت طويل، لتعلن أن الحقيقة لا يمكن إخفاؤها للأبد.
هذا التلاقي يمنح الإعلاميين مساحة أوسع للتعبير، ويجعل من رسالتهم أكثر تأثيراً، لأنهم لا يخاطبون العقول فقط، بل يخاطبون القلوب أيضاً.
مع تطابق ذكرى الثورة مع مناسبات متعددة، يصبح مارس شهراً يُكتب فيه تاريخ سوريا من جديد، لكن هذه المرة بأصوات من عاشوها ونقلوها. الإعلاميون هنا لا يكتفون بسرد الماضي، بل يشاركون في رسم ملامح المستقبل، عبر التأكيد على أن سوريا لا يمكن أن تُبنى إلا بوحدة أبنائها.
في النهاية، تؤكد ذكرى الثورة السورية أن الكلمة الصادقة قادرة على الثبات، وأن الإعلاميين لم يكونوا مجرد شهود، بل كانوا جزءاً من الحدث، ومن مسيرته المستمرة حتى اليوم.
وفي كل مارس، يقال مرة أخرى:
إن سوريا التي خرج صوتها من رحم الثورة، لا يمكن أن تُختزل أو تُقسم، لأنها وُلدت لتكون وطناً جامعاً لكل أبنائها.

