إعادة بناء الطبقة الوسطى: عنصر استقرار ونمو في المجتمع وضمان للسلامة السياسية والاجتماعية
لطالما كانت الطبقة المتوسطة في أي بلد عاملًا للاستقرار والتطور، فهي تمثل العنصر النشيط في المجتمع من خلال العمل والإنتاج والابتكار. في سوريا، كانت هذه الطبقة تُعتبر الأساس الذي يقوم عليه المجتمع السوري، والعامود الداعم للاقتصاد الوطني، والعامل الأساسي في الحفاظ على التوازن الاجتماعي والسياسي. لكن منذ عام 2011، شهدت البلاد تغييرات جذرية أسفرت عن تفكك هذا المكون الأساسي، مما أثر سلباً على الاقتصاد والمجتمع بوجه عام.
العمود الفقري للمجتمع
يصف الدكتور وجد رفيق الصائغ، المدرس في الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا، الطبقة المتوسطة السورية قبل عام 2011 بأنها “العمود الفقري للمجتمع”. وأضاف أنها ضمت ملايين العاملين في مجالات التعليم والصحة والإدارة، إلى جانب الأطباء والمهندسين والمحامين والقضاة، بالإضافة إلى الحرفيين وأصحاب المشاريع الصغيرة. كانت هذه الفئة تلعب دورًا هامًا في تحقيق التوازن الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والمساهمة في النهضة الثقافية والعلمية في البلاد.
آليات التدهور
منذ عام 2011، ومنذ بدء الأزمة، تعرضت الطبقة المتوسطة لضغوط كبيرة أدت إلى تراجعها. ومن بين أبرز مظاهر هذا التراجع:
– انخفاض قيمة الليرة السورية: من 50 ليرة للدولار عام 2010 إلى أكثر من 15,000 ليرة، مما حول الأجور الكريمة للموظفين إلى فقر مدقع.
– فقدان الوظائف: إغلاق آلاف المؤسسات والشركات أدى إلى فقدان وظائف ثابتة كانت دعامة أساسية لهذه الطبقة.
– ارتفاع تكاليف المعيشة: أسعار الموارد الأساسية مثل الغذاء والدواء والوقود ارتفعت مع الأسعار العالمية بينما بقيت الرواتب بالليرة السورية.
– ظهور نفقات جديدة غير متوقعة: مثل الحاجة إلى مولدات كهرباء خاصة ووقود للتدفئة والتنقل، مما شكل عبئًا ثقيلًا على ميزانيات الأسر.
تأثيره على الاقتصاد
يشير الدكتور الصائغ إلى أن انهيار الطبقة المتوسطة لم يكن مجرد أزمة اجتماعية، بل كان عاملًا رئيسيًا في تفاقم الأزمة الاقتصادية. ومع انخفاض دخل الأسر، تراجعت القدرة الشرائية، مما أدى إلى شلل الأسواق وإغلاق المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وازدياد الاقتصاد غير الرسمي وارتفاع البطالة. كل تراجع في الدخل يؤدي إلى حلقة مفرغة من الفقر والانكماش الاقتصادي.
ضمان الاستقرار السياسي والاجتماعي
يؤكد الدكتور الصائغ أن الطبقة المتوسطة ليست مجرد فئة اجتماعية، بل هي بمثابة ضمانة للاستقرار السياسي والاجتماعي. أوضح أن هذه الطبقة تميل دائمًا إلى الاستقرار واحترام القانون وتحقيق العدالة. تاريخياً، الدول التي تشهد تراجع للطبقة المتوسطة تنجرف نحو الانقسام الحاد والصراعات. وأشار في ختام حديثه إلى أن انهيار الطبقة المتوسطة في سوريا أدى إلى تعميق الفجوة بين فئتين: أقلية صغيرة تملك الثروة، وأغلبية كبيرة تعاني من الفقر والإقصاء.

