القامشلي

منذ ١٩٩٩ مستمرون

سوريا تستثمر في موارد استراتيجية... وافتقارها للصناعات الزراعية يحرمها من فوائد مضافة
اقتصاد

سوريا تستثمر في موارد استراتيجية… وافتقارها للصناعات الزراعية يحرمها من فوائد مضافة

في ظل التحديات الاقتصادية التي تواجه الاقتصاد السوري، تبرز الزراعة كواحد من أهم القطاعات القادرة على لعب دور مركزي في إعادة تكوين بنية الإنتاج، ليس فقط من خلال توفير الغذاء، بل من خلال بناء نظام اقتصادي متكامل يبدأ من الحقل ولا ينتهي عند الحصاد.

ورغم أن سوريا تمتلك قاعدة زراعية كبيرة ومحاصيل استراتيجية ذات حضور إقليمي مثل الفستق الحلبي والزيتون واللوز، إلا أن القيمة الإضافية لهذه الموارد لا تزال دون إمكاناتها الحقيقية، بسبب ضعف الربط بين الزراعة والصناعة التحويلية والتسويق.

الإنتاج قوي… لكن القيمة الاقتصادية غير مكتملة

يقول الخبير الزراعي الدكتور صفوان الحلبي إن المشكلة الأساسية لا تتعلق بحجم الإنتاج الزراعي، بل بكيفية إدارة هذا الإنتاج وتحويله إلى قيمة اقتصادية مستدامة.

ويوضح الحلبي أن سوريا تمتلك قاعدة إنتاجية مهمة في عدد من المحاصيل، لكن التحدي الحقيقي يكمن في كفاءة استغلال الموارد، وخاصة المياه، إضافة إلى ضرورة التوسع في التقنيات الزراعية الحديثة.

بحسب تقديرات الإنتاج، تنتج سوريا ما بين 70 و80 ألف طن من الفستق الحلبي سنوياً، مع نحو 9 ملايين شجرة، ويتجاوز إنتاج الزيتون في المواسم الجيدة مليون طن، اعتماداً على أكثر من 100 مليون شجرة. كما تشكل اللوزيات محصولاً مهماً بعشرات آلاف الأطنان سنوياً.

لكن هذه المؤشرات، وفق الحلبي، لا تتحول إلى قيمة اقتصادية متوازنة داخل الاقتصاد المحلي، بسبب ضعف سلاسل القيمة وغياب الصناعة المتكاملة.

أين تضيع القيمة المضافة؟

المشكلة الرئيسية لا تتعلق بالإنتاج الأولي، بل بانقطاع سلسلة القيمة الزراعية، حيث يتم في كثير من الأحيان بيع المحاصيل مباشرة بعد الحصاد كمادة خام، دون المرور بمراحل التصنيع والتعبئة والتسويق والتصدير.

غياب منظومة متكاملة يعني أن الاقتصاد المحلي يستفيد من الحلقة الأولى فقط، بينما تضيع القيمة الأعلى في المراحل الصناعية والتجارية التالية.

محاصيل استراتيجية… إمكانات صناعية معطّلة

الخلل يشمل منظومة إنتاجية متكاملة تمتلك القدرة على التحول الصناعي.

محصول دوار الشمس يمكن أن يشكل قاعدة لصناعة الزيوت النباتية محلياً، مما يقلل من فاتورة الاستيراد ويعزز الاكتفاء الذاتي. كما يمكن للوزيات أن تدخل في صناعات غذائية عالية القيمة، في حين يمثل التبغ مادة أولية يمكن تحويلها إلى صناعة تحويلية منظمة.

القطن يعد من أهم المحاصيل الاستراتيجية غير المستثمرة بالشكل الكافي، إذ يمكن أن يشكل قاعدة لصناعة النسيج (غزل – نسيج – ملابس)، وهي من أكثر الصناعات قدرة على خلق قيمة مضافة وتشغيل واسع.

الشوندر السكري يمثل مدخلاً مباشراً لإعادة إحياء صناعة السكر محلياً، وتقليل الاعتماد على الاستيراد.

الفستق الحلبي… ثروة تصديرية غير مستثمرة بالكامل

الفستق الحلبي يعد من أبرز المنتجات الزراعية السورية ذات الحضور العالمي، إلا أن جزءاً كبيراً من قيمته المضافة يتم خارج البلاد.

يقول المستثمر في القطاع الزراعي حسام الزعبي إن القيمة الحقيقية للفستق الحلبي لا تتم عند بيعه كمادة خام، بل عند تحويله إلى منتجات مصنعة ومغلفة تحمل علامة تجارية قادرة على المنافسة في الأسواق الخارجية.

الزراعة الذكية… مفتاح التحول القادم

يرى الخبير الحلبي أن تطوير القطاع الزراعي في سوريا يتطلب الانتقال من الزراعة التقليدية إلى نموذج أكثر كفاءة وارتباطاً بالصناعة، عبر مجموعة من التحولات الأساسية، أبرزها:

تحديث تقنيات الإنتاج الزراعي

التوسع في أنظمة الري الحديث

تعزيز مفهوم الزراعة الذكية

وتطوير الصناعات الغذائية والتحويلية

ربط الإنتاج الزراعي بالأسواق المحلية والتصدير

أن التحول هو شرط رفع القيمة الاقتصادية للقطاع الزراعي وتحويله إلى دعامة للتنمية الحقيقية.

الزراعة… من مورد خام إلى اقتصاد متكامل

الإشكالية لا تكمن في ما تنتجه الأرض السورية، بل في الطريقة التي يُدار بها هذا الإنتاج.

بين الحقل والمصنع، تضيع اليوم القيمة الأكبر من الثروة الزراعية، في وقت تمتلك سوريا قاعدة إنتاجية قادرة – إذا أُحسن استغلالها – على تشكيل جزء مهم من الاقتصاد الوطني.

التحدي الحقيقي هو الانتقال من اقتصاد زراعي يعتمد على بيع المواد الخام، إلى اقتصاد زراعي صناعي متكامل، يجعل من الزراعة دعامة للنمو والتشغيل والتصدير.

كلمات مفتاحية: الزراعة في سوريا، الاقتصاد السوري، الفستق الحلبي، الزيتون في سوريا، اللوزيات، القطن في سوريا، الشوندر السكري، دوار الشمس، الصناعة التحويلية، سلاسل القيمة الزراعية، الزراعة الذكية، الري الحديث، الأمن الغذائي في سوريا، صناعة المواد الغذائية.


اشترك بالإعلام الفوري بالاخبار الجديدة بالإيميل .. ضع بريدك