اللاذقية تسترجع دورها المحوري كممر إقليمي بين الخليج والقارة الأوروبية

اللاذقية تسترجع دورها المحوري كممر إقليمي بين الخليج والقارة الأوروبية

بعد أعوام من التراجع، بدأت الموانئ السورية تستعيد نشاطها في الساحة اللوجستية، مع بدء تصدير السيارات بنظام الترانزيت عبر ميناء اللاذقية، مما يشير إلى تحول اقتصادي يتجاوز الجانب التشغيلي نحو إعادة تمركز استراتيجي على خطوط التجارة الإقليمية والدولية.

تعتبر هذه العمليات جزءًا من شبكة نقل تربط بين دول الخليج والأسواق الأوروبية، في ظل مواجهة بعض الممرات التقليدية التحديات، مما يدفع شركات الشحن للبحث عن بدائل أكثر فعالية وأقصر وقتًا وأقل تكلفة.

وأوضح الخبير الاقتصادي الدكتور محمود عبد الكريم أن عودة نشاط ترانزيت السيارات بالميناء يمثل تطورًا اقتصاديًا يعكس الأهمية الجغرافية للموقع الذي ظل غير مستغلٍ لفترة طويلة، حيث يقترب الساحل السوري من جنوب أوروبا، وتبعد المسافة البحرية من اللاذقية إلى ميناء جنوة الإيطالي حوالي 1500 ميل بحري بما يعادل خمسة إلى ستة أيام سفر، وتزداد قليلاً باتجاه مرسيليا وبرشلونة، مما يجعل الميناء بوابة طبيعية لحركة البضائع من المشرق والخليج إلى جنوب أوروبا.

وأضاف عبد الكريم: هذه الموقع يمنح ميزة تنافسية واضحة، إذ يمكنه تقليل زمن تسليم الشحنات ما قد يصل إلى 10 إلى 14 يومًا مقارنة بالطرق التقليدية، وهو عنصر حاسم في سوق النقل البحري الذي يشهد توسعاً ملحوظاً، حيث يتم نقل أكثر من 23 مليون سيارة سنويًا بقيمة تتجاوز 18 مليار دولار، مع نمو يبلغ حوالي 4% نتيجة زيادة صادرات الدول الآسيوية الصناعية.

تستورد دول الخليج أكثر من 1.5 مليون سيارة سنوياً يتم إعادة تصدير جزء منها ضمن عمليات الترانزيت، مما يوفر لميناء اللاذقية فرصة حقيقية للدخول في هذا التيار العالمي إذا كانت الشروط التشغيلية ملائمة.

لكن هذا التغيير، بحسب عبد الكريم، لا يمكن تحقيقه بالكامل دون تطوير البنية التحتية، سواء كانت تجهيزات مناولة السيارات أو مساحات التخزين الشاسعة أو منحدرات “الرورو” المخصصة، إضافة إلى أنظمة الإدارة الرقمية لمتابعة المركبات، وسط تنافس قوي من موانئ المتوسط التي استثمرت بشكل كبير في هذا المجال، كما أكد على أن تحديث البيئة التشريعية أصبح ضرورياً، من خلال تبسيط إجراءات الترانزيت وتقليل زمن التصريح الجمركي والمشاركة في الاتفاقيات الدولية لتحسين الكفاءة وتقليل التكاليف.

على الصعيد الأوسع، يعزز تنشيط الترانزيت القطاعات البرية والطاقة والتأمين والخدمات الجمركية، حيث تشير التقديرات إلى أن قطاع النقل والخدمات اللوجستية يسهم بنسبة تتراوح بين 6 و12% من الناتج المحلي في الاقتصادات المتوسطة، ويمتلك قدرة كبيرة على خلق فرص عمل وتأثير اقتصادي مضاعف يتجاوز الناتج المباشر.

وفي تحليل إضافي، أكد الباحث الاقتصادي عبد المنعم زاهدة على أن حركة الشحن عبر سوريا كانت قبل عام 2011 تمثل عنصراً تشغيلياً مهماً يعكس القدرات الكبيرة لهذا القطاع، مشيراً إلى أن الإيرادات المباشرة تعتمد على آليات التسعير وحجم التشغيل، لكنها قد تصل إلى عشرات ملايين الدولارات سنوياً إذا ما استُعيد النشاط، بينما تبقى القيمة الأكبر في الأثر غير المباشر على السلاسل الاقتصادية الشاملة.

وخلص إلى أن الرهان الحقيقي لا يكمن في إعادة تشغيل حركة الترانزيت فحسب، بل في تحويلها إلى نظام لوجستي متكامل يعيد دمج سوريا في سلاسل التجارة الإقليمية، فتلك الموانئ لا تكتسب قيمتها بالموقع فقط، بل بقدرتها على جذب الاستثمارات ورفع الكفاءة وبناء بيئة تشغيلية مستقرة.


اشترك بالإعلام الفوري بالاخبار الجديدة بالإيميل .. ضع بريدك