خيال المحرك العقاري ونقاش العلاقة بين الإنتاج والممتلكات.. إعادة توزيع أو ابتكار قيمة؟
عندما يُطرح السؤال «كيف يمكن تنشيط الاقتصاد بعد النزاع؟»، تبدو الإجابة العقارية ممتعة ومغرية، إذ إن القطاع العقاري لا يحتاج إلى تقنية معقدة أو إلى عمالة ماهرة بشكل أساسي، ولا يتطلب تغييراً جذرياً وطويل الأمد في النموذج الاقتصادي. إلى جانب ذلك، فإنه مجال يلامس بشكل متزامن الكثير من القطاعات مثل الإسمنت، الحديد، الزجاج، الكهرباء، التشطيب، والنقل.
يسيطر على جوهر الاقتصاد العقاري عملية إعادة توزيع الثروة الموجودة أو تضخيمها على الورق دون خلق قيمة إنتاجية جديدة وحقيقية. وبدلاً من توجيه الاستثمارات لإعادة بناء القاعدة الإنتاجية، ينجذب رأس المال نحو المشاريع العقارية الفاخرة سريعة الربح. يرى الباحث الاقتصادي مازن الشاهين أن القضية تعتبر معضلة حقيقية ومتكررة في اقتصادات ما بعد النزاعات، مؤكداً أن الفخ العقاري ليس مجرد وهم نظري. كما يؤكد على أن الاقتصاد السوري فقد أكثر من 60% من حجمه وفقاً لتقديرات البنك الدولي، حيث أن القطاع الصناعي الذي كان يمثل حوالي 25% من الناتج المحلي أصبح شبه مشلول، في حين أن الزراعة، التي تعد أساس الأمن الغذائي لقطاع كبير من السكان، تعاني من تدمير البنية التحتية الريفية وهجرة العمالة الزراعية.
ويشير الشاهين إلى أنه من الأفضل اقتصادياً واجتماعياً إعادة بناء القاعدة الإنتاجية أولاً، وهو الأمر الذي يعتبر صحيحاً من الناحية الاستراتيجية. ومع ذلك، يجب مراعاة فجوة الزمن، فإعادة تأهيل المصانع تتطلب توفير كهرباء مستقرة، والتي بدورها تحتاج إلى بنية تحتية، وعلى هذه البنية أن تتوافر لها التمويل والأمان المؤسساتي.
الخبير المصرفي عمار حاج عبيد يشير إلى أن القطاع العقاري قادر على تحريك السيولة المالية، لكنه لوحده لن يكون قادراً على بناء اقتصاد مستدام. معظم الاقتصادات التي اعتمدت عل النمو العقاري كمحرك أساسي انتهت بهياكل هشة تعتمد على المضاربة أكثر من الإنتاج الحقيقي. في السياق السوري، توجيه أغلب الاستثمارات إلى مشاريع عقارية فاخرة قد يعطى انطباعاً مؤقتاً بالتحسن، لكنه لا يعالج أصول الأزمة الاقتصادية والاجتماعية الراهنة. ويوضح أن النشاط العقاري عادة ما يستفيد منه شريحة ضيقة من مالكي رؤوس الأموال الكبيرة والمضاربين وبعض المستثمرين الساعين لأرباح سريعة، في حين تبقى الأغلبية خارج مظلة الفوائد الحقيقية.
الخبير المصرفي يعترف بأهمية إعادة الإعمار ودور قطاع البناء، لكنه ينتقد خطأ اعتبار العقار المحرك الوحيد للاقتصاد. التجارب الناجحة في إعادة الإعمار تبدأ بدعم القاعدة الإنتاجية، تحفيز الصناعة والزراعة، وتطوير المشاريع الصغيرة والمتوسطة، مما يتيح فرص عمل قادرة على خلق دخل مستدام وحقيقي.

