تكاليف السكن في اللاذقية تفوق طاقة المواطن.. وأزمة الإقامة تصبح تحدياً يومياً
الحصول على مسكن في مدينة اللاذقية لم يعد مجرد حاجة بسيطة ضمن إمكانيات الدخل الشهري، بل أصبح تحدياً اقتصادياً كبيراً يواجه العائلات. تزايد الإيجارات المستمر، والفجوة المتزايدة بين الأجور والأسعار، تسببا في استنزاف الميزانيات الأسرية على حساب احتياجات ضرورية أخرى مثل الغذاء والتعليم والصحة. في ظل تضخم متسارع وتسعير بالدولار، وطلب يفوق العرض، تشهد سوق الإيجارات تغييرات عميقة، مما يثير تساؤلات حول مستقبل الاستقرار السكني.
تشير الدراسات إلى أن جزءاً متزايداً من دخل الأسر يُخصص الآن للإيجارات، مما يؤثر على قدرتها على الوفاء بباقي النفقات الأساسية. ويرى الاقتصاديون في هذا التحول انتقالاً من مجرد “سوق سكن” إلى “سوق ضغط معيشي”، حيث تعكس الأسعار عدم الاستقرار النقدي والاقتصادي.
الدكتور شكيب بشماني، أستاذ في جامعة اللاذقية، يوضح أن ارتفاع الإيجارات مرتبط بتآكل القوة الشرائية الناتج عن التضخم وتغيرات سعر الصرف. بعض المؤجرين بدأوا في ربط الإيجارات بالدولار كوسيلة لحماية أموالهم من تراجع قيمة العملة المحلية، مما أدى إلى ما يعرف بـ”الدولرة الجزئية” لسوق الإيجارات.
السوق يتأثر بعوامل عديدة منها زيادة الطلب السكني بسبب حركة الوافدين ومحدودية العقارات المتاحة، بجانب ضعف الأطر التنظيمية التي تضبط تسعير الإيجارات. وأضاف بشماني أن السوق أصبح أقرب إلى سوق “توقعات”، حيث تُسعّر العقارات بناءً على المعطيات المستقبلية وليس فقط الحالية.
الوضع الحالي للإيجارات يؤثر على البنية الاجتماعية للمدينة، حيث تضطر العائلات لتعديل إنفاقها لصالح الإيجارات، والانتقال إلى مناطق أقل تكلفة، واللجوء إلى السكن المشترك. وهذا التحول يتسبب في ضغوط نفسية واقتصادية على الأسر.
من جانب آخر، تنتج مناطق الكورنيش في المدينة زيادة في الأسعار بسبب الطلب العالي والموقع المميز. ويؤدي الطلب المتزايد من المغتربين إلى زيادة مستويات الأسعار في هذه المناطق، بينما تستقر الأسعار في مناطق أخرى.
في ظل الأوضاع الراهنة، ما زالت الجهات الرسمية تكتفي بتوثيق العقود دون التدخل في تسعيرها، مما يساهم في التحولات السريعة للسوق. ويرى الخبراء أن الحل يحتاج إلى تطوير إطار تنظيمي متكامل يعالج هذه التحديات، لكن تظل الفجوة التنظيمية قائمة مع تقلبات السوق. السؤال الأبرز يبقى: هل ستتمكن الاقتصاد من تنظيم سوق الإيجارات، أم سيغدو السكن بعيد المنال عاماً بعد عام؟

