نتائج الهجرة الفورية على الوضعين الاقتصادي والاجتماعي
حرية – مراكز الخليل:
من يتابع أوضاع الأسرة السورية ومتطلبات معيشتها يلاحظ العديد من التحديات الجسيمة التي أفرزتها الهجرة في السنوات الماضية، خاصة فيما يتعلق بالخبرات والكفاءات ورؤوس الأموال، مما أثر سلباً على الإنتاج وسوق العمل والتنافسية للقطاعات الاقتصادية والخدمية، لكن من الجوانب الإيجابية ظهرت التحويلات المالية التي يرسلها السوريون في الخارج كمصدر رئيسي لدعم الاقتصاد والأسر، إلا أنها بقيت محصورة في الاستهلاك اليومي دون سياسات فعالة لتحويلها إلى قوة إنتاجية واستثمارية تعوض نسبياً عن الخسائر البشرية والاقتصادية الكبيرة.
الدكتور وائل الحسن، خبير التنمية، يشير إلى أن الهجرة واللجوء لهما تأثير مزدوج، حيث يؤديان من جهة إلى خسارة ضخمة في رأس المال البشري والقدرة الإنتاجية، ومن جهة أخرى إمكانية الاستفادة من التحويلات المالية والخبرات السورية في الخارج، مع العلم أن التأثير السلبي يظل الأوضح في المرحلة الحالية.
خسارة خبراتنا المغتربة
الدكتور الحسن يوضح أن موجات الهجرة شملت مجموعة كبيرة من الأطباء والمهندسين والتقنيين والعمال المهرة ورواد الأعمال، وهم يمثلون العمود الفقري للإنتاج والابتكار، لذا الاقتصاد لا يُقدر بالمبالغ فقط بل بالكفاءات البشرية أيضاً، حيث إن فقدان رأس المال البشري يقود إلى خفض الإنتاجية وزيادة تكاليف تأهيل كوادر جديدة وتراجع الابتكار، مما يتطلب سنوات لتعويض هذه الخسائر.
خسائر في رأس المال البشري وفرص اقتصادية تتطلب سياسات استثمارية
تحديات متعاظمة
ويتابع الخبير أن خروج عدد كبير من الشباب في عمر العمل أسفر عن نقص ملحوظ في العمالة المؤهلة خاصة في القطاعات الصناعية والزراعية والخدمات، مما أثر سلباً على الكفاءة الإنتاجية للمنشآت ورفع من تكاليف التشغيل، وهذه التغيرات تؤثر بشكل مباشر على الناتج المحلي، وتحد من قدرة الاقتصاد على استعادة عافيته بشكل أسرع، خاصة عند بدء مرحلة الانتقال إلى واقع جديد.
التحويلات المالية
يشير الدكتور الحسن إلى أهمية التحويلات المالية التي يجريها السوريون في الخارج كمصدر للعملة الأجنبية، حيث تلعب دوراً محورياً في دعم الأسر وتلبية احتياجاتها الأساسية. ويقدّر مجموع هذه التحويلات بحوالي 1.5 إلى 2 مليار دولار سنوياً، مما يدعم الاستهلاك المحلي ويسهم في الحفاظ على استقرار سعر الصرف، بالإضافة إلى تمويل التعليم والرعاية الصحية والسكن. إلا أن الاستفادة من هذه التحويلات في الاستثمار والإنتاج لا تزال محدودة بسبب التحديات التي تواجه البيئة الاستثمارية.
الوضع الانكماشي للسوق المحلية
ويوضح الدكتور الحسن أن تراجع عدد السكان داخل البلاد أدى إلى انخفاض الطلب على السلع والخدمات، مما أثر على نشاط الأسواق وأغلق عدداً من الشركات الصغيرة والمتوسطة، مساهمًا في حدوث انكماش اقتصادي، كما أثرت الهجرة على المالية العامة بتناقص عدد دافعي الضرائب، وتراجع العائدات، وزيادة العبء على الخدمات العمومية.
إعادة بناء رأس المال البشري
هناك شبه إجماع مع الخبير الحسن بشأن إعادة بناء رأس المال البشري كجزء من خطط التعافي الاقتصادي، وذلك بتطوير التعليم الجامعي والتقني وربط مخرجاته بحاجة سوق العمل، بالاضافة إلى الاستفادة من خبرات السوريين بالخارج عبر برامج تعاون علمي ومهني تشمل جميع القطاعات.
زيادة تكاليف الإنتاج
في الجانب الصناعي، يشير الصناعي محمد المنان إلى أن نقص العمالة المؤهلة أصبح من أبرز التحديات، مما أدى إلى زيادة تكاليف الإنتاج وتأخير تنفيذ المشاريع. يعزو ذلك إلى أهمية تشجيع التدريب المهني وتقديم حوافز استثمارية لاستعادة النشاط في القطاع الإنتاجي والصناعي.
فرص تستحق الاستثمار فيها
ووفقاً للخبير الحسن، فإن هناك فرصاً كبيرة يمكن استثمارها لتحويل التحديات إلى مكاسب عبر تبني سياسات اقتصادية مشجعة لاستثمارات السوريين في الخارج مع وجود حوافز وضمانات مناسبة. يمكن أيضاً توجيه جزء من التحويلات المالية إلى مشاريع إنتاجية صغيرة ومتوسطة لدعم ريادة الأعمال والابتكار في القطاعات الاقتصادية المختلفة، وتطوير البيئة التشريعية لتعزيز الثقة لدى المستثمرين، بالإضافة إلى تنفيذ برامج للتعاون مع الكفاءات السورية في الخارج لنقل المعرفة والخبرة للاقتصاد المحلي.

