القامشلي

منذ ١٩٩٩ مستمرون

النصح المالي في سوريا.. مفهوم دولي وواقع مفقود في ظل فوضى المشعوذين
مجتمع

النصح المالي في سوريا.. مفهوم دولي وواقع مفقود في ظل فوضى المشعوذين

في ظل الأوضاع الاقتصادية العسيرة والضغوط المعيشية المتزايدة التي تعيشها البلاد، يثار تساؤل حيوي بخصوص مقدرة المواطن على حماية مدخراته وإدارة دخله في مواجهة تراجع القوة الشرائية للعملة. هذا الوضع دفع العائلات إلى البحث عن وسائل مالية بديلة، في وقت أصبحت فيه التحديات الاقتصادية تفرض واقعاً يومياً لا يمكن تجاوزه. تظهر هنا أهمية مفهوم “الاستشارة المالية الشخصية”، لكن الغرابة تكمن في أن هذه الخدمة، التي تعد في العالم أداة مهنية منظمة، تكاد تكون غائبة تماماً في الساحة السورية، مما يخلق فراغاً خطيراً يستغله المحتالون.

بخصوص غياب الاستشارات المالية الشخصية في سوريا، أوضحت خبيرة التخطيط المالي منى شامية أن الاستشارة المالية الشخصية، بمفهومها المنظم، غير متاحة فعلياً للأفراد في سوريا، وهي ليست مجرد نصيحة بسيطة، بل عملية معقدة تدار بواسطة خبراء معتمدين يخضعون لرقابة هيئات رسمية مثل “هيئة السوق المالية” في الدول المستقرة. وأوضحت بمثال عملي: عندما يكون لدى الشخص راتب شهري ويرغب في معرفة كيفية تقسيمه بين الاحتياجات الأساسية والادخار والاستثمار، وكيف يحمي مدخراته من التضخم الذي يلتهم قيمتها، وكيفية تنظيم ديونه من دون الانهيار تحت وطأة الأقساط، مشيرة إلى أنه في أي دولة منظمة، توجد مكاتب استشارية تقدم حلولاً مدروسة لهذه القضايا بناءً على تحليل دقيق للوضع المالي والأهداف الفردية. لكن في سوريا، يُترك المواطن العادي لمواجهة هذه التحديات بمفرده دون مساعدة مهنية.

هذه المهنة التي تعتمد على أسس عالمية، حسب رأي شامية، تظل في سوريا محصورة بالعقود بين الشركات والمؤسسات الكبرى، بينما المواطن العادي محروم من وجود جهة مهنية يرجع إليها. في المجتمعات المستقرة، تُستخدم هذه الأسس لتحقيق الرخاء والنمو، لكن في سوريا، لا يجد المواطن من يقدم له هذه الخدمة، فيلجأ إلى الجيران أو المعارف غير المؤهلين، أو يترك أمواله تذوب في ظل التضخم الذي تجاوز 100% في أوقات عديدة، حسب بيانات مصرف سوريا المركزي.

تشير شامية إلى أن تجارب تجميد الودائع وقيود السحب التي استمرت حتى مايو 2025، زرعت في وجدان السوري انعدام الثقة بالمصارف، مما يفسر لجوؤه إلى البدائل غير الرسمية، أو الاحتفاظ بأمواله، أو الاعتماد على نصائح مستشارين زائفين. الثقة المفقودة ليست مجرد أزمة اقتصادية، بل أزمة اجتماعية عميقة، حيث يفقد المواطن شعوره بالأمان الأساسي، مما يخلق قلقاً مزمنًا يؤثر سلباً على استقرار العلاقات الأسرية والصحة النفسية.

في ظل هذا الغياب المهني، تحذر شامية من ظاهرة المستشارين الماليين الوهميين الذين انتشروا بشكل كبير، وتعتبرهم انعكاساً للفجوة التنظيمية والاجتماعية، موضحة: مع غياب هيئات تمنح التراخيص وتحاسب المخالفين، يصبح أي شخص قادراً على ادعاء الخبرة، والمواطن اليائس يصبح فريسة سهلة، يصدق أي حل واعد، مهما كان وهمياً. تؤكد التقارير على ازدياد حالات الاحتيال المالي، كما أصدرت وزارة التجارة الداخلية تحذيرات من شركات وهمية تقدم خدمات استثمارية غير مرخصة.

ترى شامية أن غياب البدائل المصرفية والأدوات الاستثمارية الآمنة هو السبب الرئيسي لهذه الفوضى، موضحة: “المواطن اليوم، عندما يشعر بذوبان مدخراته، لا يجد أي حلول رسمية موثوقة، فلا صناديق استثمار حقيقية، ولا تأمين صحي كافٍ، ولا قروض ميسرة. لذلك يضطر للخيارات الخطيرة، إما الثقة بجاره أو بالمحتال، وفي كلتا الحالتين هو الخاسر الأكبر، لأن النظام الرسمي تخلى عن دوره في حمايته وتوعيته”.

تؤكد الحاجة إلى تعاون مشترك بين الدولة والمجتمع؛ فالإعلام والمدارس والجامعات والعائلات، جميعها معنية ببناء وعي مالي يحمي الأفراد من الأوهام، ويؤسس لاقتصاد مستقر. الحل الحقيقي يبدأ باعتراف رسمي بالفجوة، والعمل الجاد على إصدار القوانين اللازمة، وإطلاق حملات توعية جماهيرية، لإعادة بناء ثقة المواطن في قدرته على إدارة مدخراته بوعي. تختتم شامية بمقترحات عملية للخروج من هذا الموقف، مؤكدة أن الحل لا يقتصر على تشريع قوانين تنظيم المهنة، بل يتطلب حملات شاملة لبناء ثقافة مالية، إلى جانب استعادة الثقة بالمصارف عبر سياسات واضحة، وفتح حوار بين المواطن والمصرف المركزي.


اشترك بالإعلام الفوري بالاخبار الجديدة بالإيميل .. ضع بريدك