لماذا زادت احتمالية إصابة الشباب بالذهان؟ وهل يدفع جيل الأجهزة الذكية تكلفة عالية لصحتهم العقلية؟
في تطور يثير القلق، ترتفع الأصوات الأكاديمية محذرة من موجة خفية تؤثر على عقول الجيل الشاب، حيث تكشف أبحاث علمية حديثة أن المولودين بعد عام 2000 يواجهون احتمالية أكبر للمعاناة من اضطرابات الذهان مقارنة بالأجيال السابقة، مع تراجع ملحوظ في متوسط سن التشخيص ليصل إلى حوالي عشرين عاماً. فما الذي يحدث لعقول الجيل الجديد؟
الذهان، حين يفقد الفرد ارتباطه بالواقع، يمثل حالة عقلية خطيرة تتسبب بفقدان الاتصال مع الواقع وتشمل الهلاوس والأوهام. هذه الحالة ليست نادرة كما قد يعتقد البعض، بل تشكل جزءًا من مجموعة واسعة من المشكلات العقلية التي تؤثر على الشباب.
الأبحاث تشير إلى أن تزايد حالات الذهان بين الشباب ليست نتيجة سبب واحد فقط، بل تأتي نتيجة تفاعل عوامل بيئية واجتماعية ونفسية متعددة. الجيل الذي نشأ في عصر التكنولوجيا السريعة والاتصال الفوري أصبح أكثر عزلة وقلقًا في نفس الوقت.
دراسة كندية كبرى، شملت أكثر من 11 ألف شاب، أوضحت أن العوامل الاجتماعية تلعب دوراً محورياً في ظهور “التجارب المشابهة للذهان”، التي تعتبر مؤشراً مبكراً على اضطرابات نفسية مستقبلية. التعرض للصدمات والتمييز والنزاعات العائلية يزيد من احتمالية ظهور هذه التجارب بنسب مختلفة.
الدراسة الأوروبية متعددة الجنسيات بينت أن تجارب الطفولة الصعبة ترتبط بقوة مع زيادة خطر الإصابة بالذهان لاحقاً، وأن تأثير هذه الصعوبات يختلف بين الذكور والإناث.
كذلك، يؤثر المكان الذي يعيش فيه الشاب على حالته العقلية، حيث وجدت دراسة أن هناك علاقة بين الكثافة السكانية وزيادة أعراض الذهان لدى الشباب، لكن العامل الأهم ليس المدينة في حد ذاتها، بل عدم الانتماء الاجتماعي والشعور بالإقصاء.
وسائل التواصل الاجتماعي والشاشات لها دور محوري في حياة الشباب، حيث يشير الباحثون إلى أن الاستخدام المفرط لها قد يزيد القلق والتوتر ويؤدي إلى اضطراب النوم، مما يرفع احتمالية ظهور أعراض الذهان. الإفراط في استخدام الشاشات يؤثر على تطور المادة الرمادية في الدماغ ويعزز ثقافة المقارنة الاجتماعية التي تزيد من معدلات القلق والاكتئاب.
توجد عوامل متعددة تساهم في تشكيل تجربة الجيل الجديد، منها ارتفاع استهلاك القنب، تفاقم تلوث الهواء، وارتفاع متوسط عمر الآباء عند الإنجاب إضافة إلى التعرض المكثف للشاشات.
هذه الأبحاث تدعو للتحرك السريع لوضع استراتيجيات وقائية، من خلال توفير الدعم النفسي في المدارس وبرامج التوعية الأسرية وصياغة سياسات عامة تقلل من المخاطر البيئية والاجتماعية. العلم يوضح أن مستقبل أدمغة الشباب ليس محتوماً، بل هو انعكاس لبيئتنا الاجتماعية، مما يمنحنا القدرة والواجب على العمل لتحسينه.

