الغربة جانب آخر للعيش بين تطلعات الشباب وشوق الوطن
يكشف الاغتراب عن أبعاد متنوعة لتجربة خاضها العديد من الشباب السوريين الذين تركوا ديارهم بحثًا عن التعلم أو العمل، حيث لم تكن الهجرة مجرد تحرك جغرافي، بل شكلت نقطة تحول أعادت تشكيل شخصياتهم واختبرت مدى قدرتهم على التكيف وتحمل المسؤوليات. وسط الإنجازات التي حققوها في الخارج والحنين الدائم للأهل والوطن، برزت قصص إنسانية أظهرت حجم التحديات التي واجهوها في هذه الرحلة.
تحدث الدكتور أحمد سليمان عن مغادرته لسوريا متجهًا إلى ألمانيا لاستكمال تحصيله العلمي، موضحًا أنه واجه في بداية مشواره العديد من التحديات، أبرزها التأقلم مع بيئة جديدة، والشعور بالوحدة والحنين إلى عائلته. ومع مرور الوقت، تمكن من بناء مسيرته المهنية والعلمية، واكتساب مهارات جديدة عززت ثقته واعتماده على نفسه، ورغم ما حققه من نجاح، ظل الحنين إلى عائلته ملازمًا له في تفاصيل حياته اليومية، مؤكدًا أن المغتربة أضافت له الكثير من الخبرات، لكنها زادت تعلقه بوطنه.
أما الطالبة سارة عثمان، فأوضحت أنها سافرت إلى إيطاليا بفضل منحة دراسية، وواجهت تجربة فرضت عليها تحمل مسؤولياتها بعيدًا عن أسرتها، وحققت خلال سنوات الدراسة خبرات علمية وإنسانية واسعة. إلا أنها افتقدت دفء العائلة، خاصة في المناسبات والأعياد. وأكدت أن الاغتراب ساعد في بناء شخصيتها، وعزز قدرتها على اتخاذ القرارات، لكنه زاد من شعورها بأهمية الأسرة والوطن، وعزز رغبتها في العودة للمساهمة بخبراتها في خدمة مجتمعها.
تحدثت الدكتورة لميس عبد الرزاق من كلية التربية في جامعة طرطوس عن أن هجرة الشباب لم تعد مجرد انتقال جغرافي بل أصبحت مسألة إنسانية واجتماعية ذات أبعاد نفسية وتربوية متداخلة. أكدت أن الاغتراب مثل مختبرًا حقيقيًا لاختبار ما غرسته الأسرة في أبنائها، حيث أسهم في تعزيز الاستقلالية والقدرة على اتخاذ القرارات. كما أشارت إلى أن هذه التجربة فرضت على الشباب ضغوطًا نفسية كبيرة، أبرزها الحنين للأهل والوطن، وما يرتبط أحيانًا من شعور بالتقصير تجاه الوالدين. تحدثت عن مفهوم “الأسرة العابرة للحدود” حيث حل التواصل الافتراضي مكان اللقاءات اليومية، لافتة إلى أنه قد يصبح الحنين قوة دافعة للإنجاز إذا تمت إدارته بشكل صحيح، أو قد يتحول إلى عبء نفسي إذا سيطر على الفرد ومنعه من الاندماج في محيطه الجديد.
خلصت إلى أن نجاح تجربة الاغتراب يرتبط بقدرة الشاب على تحقيق التوازن بين الحفاظ على هويته الوطنية والانفتاح على ثقافات أخرى، مما يمكنه من النمو دون فقدان الانتماء. وأكدت أن الاغتراب لم يكن رحلة سهلة، بل تجربة حملت الكثير من التحديات والدروس، وبين النجاح والاشتياق، ظل الانتماء للوطن حاضرًا في وجدان المغتربين، مشيرة إلى أن قيمة الهجرة لا تقاس فقط بما تحقق من مكاسب مادية أو علمية، بل بما تتركه من أثر في بناء الشخصية وتعزيز المسؤولية والحفاظ على الجذور رغم البعد الجغرافي.

