القامشلي

منذ ١٩٩٩ مستمرون

التواجد الذهني للأهل.. الاستثمار الفعلي في مستقبل الأبناء والمجتمع
مجتمع

التواجد الذهني للأهل.. الاستثمار الفعلي في مستقبل الأبناء والمجتمع

في خضم الحياة اليومية وضغوط العمل والتزامات المنزل، يُطرح سؤال ملح على أذهان الآباء والأمهات: هل يكفي وجودنا الفعلي بجوار أطفالنا لضمان تطورهم النفسي السليم؟ يتزايد هذا الاستفهام في ظل الثورة الرقمية وانتشار ما يعرف بـ”الانعزال الافتراضي” في البيوت، والتي أصبحت التحدي الأكبر الذي يهدد تلاحم الأسرة وتفاعل أعضائها بجودة.

في هذا السياق، تشدد الخبيرة النفسية فاطمة البارودي على أن “الوقت النوعي” هو الأساس المتين لاستقرار الأبناء النفسي والعاطفي. وتوضح أن “الحضور النفسي” يعني التفاعل الحقيقي مع الطفل من خلال الاستماع الجيد، والتواصل البصري، والاستجابة المناسبة لاحتياجاته، وهو مختلف عن مجرد “الحضور الجسدي” الذي يفتقر إلى أي تواصل فعّال، وترى البارودي أن هذا النوع من الحضور هو الأساس في بناء شخصية متوازنة تعزز من أمان الطفل وثقته في نفسه، وتُنبه إلى أن غياب هذا الحضور يولد إحساساً بالتجاهل يؤثر سلباً على سلوك الطفل وأدائه الدراسي.

كما تؤكد الأخصائية على أن تحقيق الحضور النفسي لا يحتاج إلى ساعات طويلة، بل يكفي تخصيص (15 إلى 20 دقيقة) يومياً من “الوقت النوعي”، مع الأخذ في الاعتبار بعض العناصر المهمة: كإبعاد المشتتات الرقمية، وتشجيع الطفل على التعبير عن أفكاره بحرية، وإشراكه في نشاط يختاره، واعتماد لغة حوار هادئة بعيداً عن الانتقاد المباشر، ويترك هذا الوقت المحدود أثراً تراكمياً عميقاً، يقوي الروابط العاطفية ويطور مهارات التفكير وحل المشكلات.

وفيما يتعلق بتأثير الأجهزة الذكية، تشير البارودي إلى ارتباط وثيق بين الإفراط في استخدام الشاشات واختلال التوازن العائلي، خصوصاً في السنوات الأولى من النمو، محذرة من أن انشغال الآباء بالأجهزة أثناء وجودهم مع أطفالهم يرسخ في ذهن الطفل شعوراً بأنه ليس ذو أولوية، مما يدفعه إلى تبني سلوكيات للفت الانتباه بصورة سلبية. وتؤكد الدراسات الحديثة على أن الأطفال المدمنين على الشاشات يعانون من صحة نفسية أقل مقارنة بأقرانهم الذين يشاركون في أنشطة بدنية أو فنية تعزز من تفاؤلهم وقدرتهم على التعامل مع العواطف.

وفي الختام، تقدم الخبيرة النفسية مجموعة من التوصيات العملية للعائلات، منها تخصيص وقت نوعي يومي خالٍ من المشتت الرقمي، وإشراك الطفل في وضع قوانين منزلية لتعزيز شعوره بالمسؤولية، إلى جانب وضع حدود واضحة ومدروسة لاستخدام الأجهزة الذكية، وتحفيز الأطفال على ممارسة الأنشطة البدنية والفنية والذهنية، وتشجيعهم على التعبير عن مشاعرهم ومعالجة مخاوفهم في وقت مبكر. وتشدد البارودي على أن تنفيذ هذه الخطوات لا يحتاج إلى موارد مالية كبيرة، بل يتطلب وعياً وإرادة وتغييرات بسيطة في العادات اليومية، لتظل صلات الإنسان الحقيقية هي الملاذ الآمن والركيزة الأساسية لمجتمع متماسك.


اشترك بالإعلام الفوري بالاخبار الجديدة بالإيميل .. ضع بريدك