الطفل المتصلب.. عندما يصبح الاعتراض إشارة تستوجب الفهم

الحرية – مايا حرفوش:
يُعتبر عِناد الأطفال من الظواهر التي تُواجهها الأُسَر في مراحل الطفولة، حيث يَشعر كثير من الأهل بوجود طفل يرفض التعليمات ويُصر على رأيه، ويُلح على تنفيذ ما يرغب به حتى في المواقف التي تستدعي منه التعاون مع أفراد عائلته. وأحياناً يُفسر البعض هذا السلوك على أنه تحدٍ مباشر للوالدين.
مواجهة مستمرة تجعل الوضع أسوأ
تقول سوزان، والدة لطفلين، إن ابنها يرفض في بعض الأحيان أبسط الأمور كارتداء ملابسه أو تنظيمها، وكلما حاولت إجباره على تنفيذ ما أرغب به، يزداد إصراراً. مع مرور الوقت، اكتشفت أن التحدث معه بهدوء وتقديم خيارين له كان أفضل بكثير من الصراخ.
وفي نفس السياق، تقول مرام، والدة لثلاثة أطفال: كنت أرى العناد كنوع من قلة الاحترام، ولذلك كنت صارمة جداً، ولكن لاحظت أن المواجهة المستمرة تجعل الوضع يزداد سوءاً. عندما بدأت أوضح له سبب بعض القواعد وأترك له حرية الاختيار، أصبح أكثر تجاوباً.
وسيلة للتعبير عن رغبة الطفل في الاستقلال
اعتبر الخبير الأسري والتربوي أحمد محمود أن العناد أحياناً يكون وسيلة للتعبير عن رغبة الطفل في الاستقلالية وإثبات ذاته.
وتظهر أنماط العناد بأشكال متباينة، فقد يرفض الطفل تناول الطعام أو الذهاب إلى المدرسة، أو يصر على ارتداء ملابس معينة، أو يدخل في نوبات غضب عندما لا يلبي له طلب معين.
وتتفاقم هذه التصرفات أحياناً عندما يشعر الطفل بأن آرائه لا تؤخذ بعين الاعتبار أو عندما تتكرر الأوامر والنواهي دون تفسير.
ويشير محمود إلى أن التعامل مع الطفل العنيد يتطلب فهماً للأسباب الحقيقية وراء سلوكياته، بدلاً من محاولة كسر إرادته. فالطفل قد يكون مرهقاً أو جائعاً أو يشعر بالغيرة أو بحاجة إلى مزيد من الانتباه، وقد يتميز بعض الأطفال بطبيعة أكثر استقلالية وحساسية تجاه الأوامر المباشرة، ما يجعل الحوار معهم أكثر فعالية من الصراخ أو العقاب المستمر.
وضع قواعد واضحة وثابتة داخل المنزل
يشير محمود إلى أهمية وضع قوانين واضحة وثابتة داخل المنزل، مع توفير مساحة مناسبة للطفل للاختيار، بدلاً من إصدار أمر مباشر. يمكن للأهل تقديم خيارين، مثل سؤاله: “هل تفضل ارتداء القميص الأبيض أم الأحمر؟”، وبهذه الطريقة يشعر الطفل بأن له دور في اتخاذ القرار، دون أن يتخلى الوالدان عن سلطتهم.
كما أن تعزيز التصرف الإيجابي يُعتبر وسيلة فعالة في التعامل مع العناد. فعندما يتعاون الطفل أو يستجيب بهدوء، فإن تقدير هذا السلوك يشجعه على تكراره، وفي المقابل، قد يؤدي الصراخ المستمر أو الإهانة أو الضرب إلى زيادة التوتر والعناد، ويؤثر بشكل سلبي على علاقة الطفل بوالديه.
تحول إلى صفات إيجابية
وبحسب محمود، فإن وصف الطفل بأنه “عنيد” لا يعني أنه سيظل كذلك في المستقبل. حيث يمكن أن تتحول بعض الصفات التي تبدو مزعجة في مرحلة الطفولة، مثل الإصرار وقوة الإرادة، إلى خصائص إيجابية عندما تُوجه بشكل سليم، مما يساعد الطفل في المستقبل على الاستقلالية والمثابرة والدفاع عن رأيه بطريقة متوازنة.
وفي النهاية، فإن الطفل العنيد لا يحتاج بالضرورة إلى والدين أكثر صرامة، بل إلى والدين ذوي فهم وثبات وصبر. فالتربية الناجحة لا تقوم على كسب كل مواجهة، وإنما على تعليم الطفل كيف يعبّر عن رغباته، ويحترم الآخرين، ويستجيب للحدود بطريقة صحية.

