التفريق بين الأولاد مشكلة عائلية خطيرة تهدد استقرار الأسرة
تعتبر التفرقة بين الأبناء من المؤشرات الأسرية الخطرة التي تترك آثاراً نفسية واجتماعية طويلة الأمد، وتجسدت هذه التفرقة بأشكال متنوعة، مثل توزيع الاهتمام والعاطفة بشكل غير متساوٍ، أو منح بعض الامتيازات لأحد الأبناء دون الآخر، أو في التباين في معالجة الأخطاء والنجاحات. كثيراً ما يجهل الوالدان تأثير هذا السلوك على أرواح أطفالهم.
يؤكد خبراء التربية أن الطفل الذي يشعر بالتهميش مقارنة بإخوته قد يواجه انعدام الثقة بالنفس، والشعور بالنبذ والغيرة، وقد تتطور هذه المشاعر إلى توتر في علاقته بإخوته أو والديه مستقبلاً. كما أن التفرقة لا تؤثر فقط على الطفل الذي يعاني منها ولكن أيضاً على الذي يحصل على الأفضلية، إذ قد يشعر المستفيد بالضغط للحفاظ على وضعه المميز.
الوعي هو بداية الحل، وهذا ما أكده العديد من الأهالي الذين تم التحدث معهم، حيث أشاروا إلى أن التخلص من المشكلة يبدأ بالوعي، وتجنب المقارنات، وإعطاء كل طفل فرصة التعبير عن مشاعره، فالعدالة في الأسرة لا تعني المساواة المطلقة في المعاملة، بل تعني أن يشعر كل ابن بأنه مُقدَّر ومقبول.
السيدة ابتسام، أم لطفلين، قالت: “أسعى جاهدة لأن أكون عادلة في تعاملي مع أطفالي، لكن أحياناً تختلف احتياجات كل طفل، لذا لا يجب أن يحصل الجميع على الشيء ذاته، المهم أن يشعر كل واحد منهم بأنه محبوب وله مكانته”.
وترى سناء، أم لأربعة أطفال، أن أحياناً ما يحدث بعض التمييز عن غير قصد، حيث قد يتطلب أحد الأبناء رعاية أكبر بسبب عمره أو ظروفه، وهو ما قد يفسره الإخوة كنوع من التفضيل، لذا يتعين على الأهل تفسير الأسباب وتأكيد محبتهم للجميع.
وأشار إبراهيم، والد لثلاثة أطفال، إلى أنه لم يكن يدرك أن المقارنات قد تُسبب الأذى لمشاعر الأولاد، حيث كان يظن أن تحفيز أحدهم بذكر تفوق أخيه شيء طبيعي، ولكنه اكتشف أن ذلك قد يجعل الطفل يشعر بأنه أقلّ قيمة.
الخبير الأسري أحمد المحمود أوضح أن التمييز بين الأبناء قد ينشأ من عوامل اجتماعية أو ثقافية، مثل تفضيل الذكور على الإناث أو ارتباط الوالدين بأحد الأبناء بشكل خاص بسبب التشابه أو الظروف الخاصة. وأشار إلى أن الآباء قد يخلطون بين “العدالة” و”المساواة الكاملة”، حيث يحتاج كل طفل إلى نوع من الدعم يناسب شخصيته.
وأضاف المحمود أن نتائج التفرقة قد لا تظهر فوراً لكنها تتراكم مع الوقت، فقد يصبح الطفل الذي يشعر بالإهمال أكثر انسحاباً أو حساساً للنقد، وقد يسعى للحصول على القبول خارج الأسرة.
البحوث في مجال الإساءة النفسية للأطفال تبيّن أن أنماط المعاملة السلبية داخل الأسرة ترتبط بمشكلات في التعلق والصحة النفسية، حيث يرتبط استقرار الأسرة بالصحة النفسية للوالدين وطريقة تعاملهما مع الأطفال، إذ تؤثر أجواء الأسرة في النمو النفسي والاجتماعي للأطفال.
ولدعم العدالة بين الأبناء، يقترح المحمود أن الحل لا يكمن في معاملة جميع الأبناء بالطريقة نفسها، بل في تلبية احتياجات كل طفل مع الحفاظ على شعوره بالمحبة والانتماء. ومن الخطوات المهمة تجنب استخدام أسلوب المقارنات بين الأبناء، والاستماع إلى مشاعرهم ومنحهم مجالاً للتعبير، وعدم ربط قيمة الطفل بإنجازاته فقط، وإظهار الحب والاهتمام لهم جميعاً، وتقدير اختلاف مواهبهم.

