القامشلي

منذ ١٩٩٩ مستمرون

عقول مختبرية تطور «وعي بالمكان».. تقدم نحو حل لغز العقل الإنساني
منوعات

عقول مختبرية تطور «وعي بالمكان».. تقدم نحو حل لغز العقل الإنساني

في تطور قد يقرب الباحثين من حل أحد أعقد ألغاز علم الأعصاب، نجح علماء من جامعة كاليفورنيا في ابتكار نماذج دماغية مصنعة داخل المختبر، حيث تمكنت من اكتساب “إدراك مكاني”، عبر توجيه أنسجة دماغية بشرية مستنبتة من خلايا جذعية لتتقمص هوية مناطق معينة من القشرة الدماغية، في تمثيل أدق للطريقة التي يتنظم بها الدماغ أثناء نموه المبكر.

يتمتع الدماغ البشري بتركيبة فريدة ومعقدة في علم الأحياء تستمد فعاليتها من تنظيمها المتميز. الطبقة الخارجية للدماغ، المعروفة بالقشرة الدماغية، ليست موحدة بل تنقسم خلال النمو إلى مناطق متخصصة بأدوار متعددة، من الحركة والبصر إلى الذاكرة واللغة والفهم الاجتماعي. يطلق العلماء على هذه العملية “التخصيص المكاني”، ويعتقدون أنها الأساس في ما يمكن للدماغ تحقيقه. نظراً لأن تشكيل هذا التنظيم يحدث في مراحل نمو سابقة للولادة، واجه العلماء صعوبة في دراسته، لذا لجأوا إلى نماذج بديلة لمحاكاة هذه العملية داخل المختبر.

في بحث نشر في دورية “Cell Stem Cell”، قام فريق علمي بقيادة الدكتورة موموكو واتانابي، بإنشاء عضيات قشرية بشرية متقدمة، وهي أنسجة ثلاثية الأبعاد صغيرة مستنبتة من خلايا جذعية بشرية، تحاكي سمات القشرة الدماغية في مراحلها النامية. تمكن الباحثون من إرشاد كل عضية لتتقمص هوية منطقة أمامية أو خلفية من القشرة، عن طريق تعريضها لإشارات دقيقة خلال مراحل نموها المبكرة. أظهر تحليل لأكثر من 200 ألف خلية أن العضيات تمكنت من استنساخ الخصائص الجزيئية المرتبطة بمناطق القشرة الدماغية خلال مرحلة ما قبل الولادة، مما يعني أن العلماء منحوا هذه الأنسجة “بوصلة بيولوجية” تحدد بدقة ما إذا كانت تنتمي للجزء الأمامي أو الخلفي من القشرة. وأشارت الدكتورة واتانابي إلى أن إدراج الهوية الإقليمية في هذه النماذج يمكن أن يفتح الأبواب لاستكشاف أسئلة حول النمو والأمراض التي كان من الصعب الإجابة عنها باستخدام النماذج التقليدية.

استخدم الفريق النموذج الجديد لدراسة متلازمة إكس الهشة، وهي حالة وراثية تعد سبباً رئيسياً لضعف الذكاء وترتبط أيضاً باضطراب طيف التوحد. أشارت النتائج إلى أن المتلازمة تؤثر في خلايا دماغية منفردة وكذلك في أنماط النمو التي تساهم في تنظيم هذه الخلايا عبر القشرة الدماغية. لا تعني هذه النتائج بأن اضطراب التنظيم المكاني للدماغ يسبب التوحد، لكنها تضيء على عملية محتملة أثناء النمو يمكن للعلماء دراستها بدقة أكبر عبر منح العضيات هويات إقليمية فريدة، مما يسمح بفحص التغيرات المرتبطة بالاضطراب وتحديد المناطق التي تشهد هذه التغيرات خلال مراحل النمو.

تساهم هذه المنصة في الجهود المتزايدة لتطوير نماذج بحثية تعتمد على الأنسجة البشرية، بهدف استكمال الدراسات التي تُجرى على الحيوانات. نظراً لاختلاف جوانب مهمة من نمو الدماغ البشري عن الأنواع الأخرى، توفر العضيات المستخرجة من الخلايا الجذعية وسيلة إضافية لدراسة العمليات التي يصعب بحثها مباشرة لدى الإنسان أو محاكاتها في النماذج الحيوانية. ويرى الباحثون أن هذا النهج يمكن أن يستخدم لدراسة تأثير العوامل الوراثية والبيئية على مناطق مختلفة من القشرة الدماغية النامية، مما قد يمهد الطريق لفهم آليات الأمراض واستكشاف استراتيجيات علاجية مستقبلية.


اشترك بالإعلام الفوري بالاخبار الجديدة بالإيميل .. ضع بريدك