«ها أنا موجود.. لا تزيلني».. الملصقات على المركبات.. بين التعويذة والطرافة والصوت المكبوت
وسط زحمة شارع الثورة في دمشق، تقف سيارة قديمة من نوع «لادا» وكأنها لوحة متحركة. على خلفيتها ملصق يدعو: «يا رب ردنا سالمين»، وتحته عبارة صادمة «كلو رخيص غير الناس»، بينما يتدلى من أسفل السيارة حذاء صغير معلق كتعويذة للحماية من الحسد وفق بعض المعتقدات.
في هذا الركن الصغير تتلخص معاناة وآمال حكاية جماعية. إنه ليس مجرد كلمات على ورق، بل أصداءٌ لحياة فرد في أكثر لحظاته هشاشة وجرأة.
السيارة كمركبة متنقلة تمثل مشهداً لإثبات الوجود، حيث الفضاء العام يتحول إلى ساحة للنقاش حول الهوية. الشخص الذي تقلصت مساحاته الخاصة يجد في سيارته ملاذاً أخيراً. تتحول السيارة إلى جسد ثان، وتصبح الملصقات وشماً يعبر عما تخفيه الأصداء.
وفقاً لأخصائي علم الاجتماع وسام الشعار، الظاهرة تتجاوز التزيين لتصل إلى أبعاد أخرى، حيث السيارة ليست وسيلة نقل فقط، بل امتداد للمكانة والهوية. ما يكتبه الفرد يعكس طقوساً وقائية أو عاطفية تعبر عن مخاوف مختلفة. وقد أظهرت دراسات ميدانية أن أكثر من 32% من الملصقات تتسم بطابع دعائي.
من الناحية الاجتماعية، يلاحظ أن السيارات الفاخرة تظل صامتة، في حين تفيض الكتابات على المركبات القديمة، وكأن أصحابها يصرخون ليثبتوا وجودهم. قد يكون هذا التعبير نوعاً من احتجاج الطبقات الأقل حظاً على وضعها الاجتماعي.
ليست هذه الظاهرة بريئة بالكامل، حيث يرى الشعار أن السيارات المزينة بالملصقات تعد حدوداً شخصية، ما قد يدفع بعض السائقين للقيادة بشكل عدواني، كما يمكن لهذه الملصقات أن تصبح شرارات للنزاعات الطائفية والسياسية في حال تضمنها رسائل سياسية.
في الجانب الاجتماعي، تعد هذه الكتابات متنفساً جماعياً، حيث يتحول الجزء الخلفي للسيارة إلى منصة للمكبوتات. يعبر الشباب عن مشاعرهم من خلال عبارات مثل: «عشقت السفر من غدر البشر»، وهو ما يعكس هروباً من واقع مؤلم. الكتابات تنقسم إلى ثلاثة أنواع رئيسية: الحماية الغيبية، السخرية، والرومانسية الظاهرة، وكلها تنبع من حاجة ملحة للاعتراف.
من الناحية القانونية، تحظر المادة 78 من قانون السير السوري وضع الكتابات والرسوم على السيارات بدون ترخيص، لكن التطبيق العملي غالباً ما يغض النظر، حيث يعتبر المجتمع هذه الملصقات متنفساً نفسياً. يدعو المحامون إلى معالجة الظاهرة ثقافياً بإيجاد وسائل تعبير بديلة بدلاً من قمعها.
ختاماً، تعبر الملصقات على السيارات عن الفسيفساء الحقيقية للروح السورية المعاصرة، وتعد صرخة وجود في وجه الضغوط الاجتماعية، مشيرة إلى أن رغم التغيرات الكبيرة، لا يزال الأفراد يسعون لترك بصماتهم.

