القامشلي

منذ ١٩٩٩ مستمرون

البزورية.. ألوان يشكلها الباعة وارتباك يعايشه الزبون
مجتمع

البزورية.. ألوان يشكلها الباعة وارتباك يعايشه الزبون

ما أن تدخل في أعماق دمشق القديمة وتشق طريقك بين أزقتها العتيقة، حتى تتولى الروائح الزكية والمشاهد البصرية مهمة التعريف بأقدم الأسواق وأشهرها: سوق البزورية الدمشقي. إنه ليس مجرد مكان للتجارة، بل شريان نابض في قلب العاصمة، ضيق بضفافه، عميق بأصالته، تمتزج فيه رائحة القرفة واليانسون والعرقسوس والعطور، بينما تقف المحال الصغيرة على جانبيه في تناغم رائع يجذب أنظار العابرين.

يرى فايز، الزائر للسوق، أن المكان جزء ثمين من روح دمشق، يمزج بين جمال الذوق وعبق الماضي والذكريات التي تعكس أصالة الحياة الدمشقية. يشير إلى أن تلوين وتنسيق البضائع والأطعمة الطيبة في واجهات المحال تبدو كلوحة فنية أبدعها أبرع الفنانين، مما يبرز كيف تتألق محلات التوابل كأنها كنوز قديمة، فيما تتجاور ألوان الحلويات والأطعمة الشهية وتجذب الأطفال.

ومن جهته، يعبر طارق، الذي جاء من مدينة الحسكة، عن تجربته قائلاً: إن السوق يتجاوز المفهوم التقليدي لفكرة الأسواق، فالمشي بين زواياه يتيح الاستمتاع بحكايات المعامل القديمة التي تصنع أطيب الحلويات، ولا تشعر فقط بأنك تتسوق بل تشعر وكأنك تعود إلى جذور الحكاية الدمشقية. تتكامل هذه المشاعر مع انطباعات العائلات التي تزور المكان في الأعياد وشهر رمضان، ورغم انتشار المتاجر الحديثة، يظل سوق البزورية الوجهة الأولى لأصحاب الدخل المحدود بما يوفره من خيارات متنوعة وأسعار ملائمة.

العمق التراثي للسوق، كما ذكر الباحث التاريخي الراحل عماد الأرمشي، يقع بين سوق السلاح وسوق مدحت باشا، ويمتد جنوب غرب الجامع الأموي، ويشتهر ببيع البزورات ومشتقاتها. عُرف عام 633هـ/1235م باسم «سوق القمح» وكان يُعرف أيضاً بأسماء أخرى مثل «سوق العطارين» و«سوق الدهيناتية»، حيث كانت تُصنع الأدهان والعطور والمستخرجة من الورود والأزهار الشامية. يتميز السوق بسقفه المعدني المقوس، إضافة إلى احتوائه على معالم تاريخية مثل «خان أسعد باشا» و«حمام نور الدين الشهيد».

على الرغم من التحولات الاقتصادية وظهور المراكز التجارية الكبيرة، يظل سوق البزورية إثباتاً أن أصالة التراث لا تزول مع مرور الزمن. إن تواصل العائلات في توارث المحال والمهن قد حفظ خبرات قديمة في تحضير العطور وخلط التوابل، ليبقى السوق شاهداً حياً على ذاكرة دمشق، حاملاً في طياته عبق التاريخ وروح المدينة.


اشترك بالإعلام الفوري بالاخبار الجديدة بالإيميل .. ضع بريدك