الأعشاب الطبية والعطرية في سوريا.. مجال اقتصادي مبشر يحتاج إلى الترتيب والتصنيع

صحيفة الحرية – مركزان الخليل:
يمثل غرس الأعشاب الطبية والعطرية من القطاعات الواعدة في سوريا، نظرًا لما تمتاز به البلاد من تنوع في الظروف البيئية والمناخية التي تتيح نمو مجموعة متنوعة من النباتات البرية والمدجنة، إضافة إلى الإمكانيات الاقتصادية وفرص العمل التي يمكن أن توفرها هذه الزراعة، خاصة عند انتقالها من إنتاج الخامات إلى تصنيع الزيوت والمستحضرات والمنتجات ذات القيمة العالية.
أكثر من 3600 صنف نباتي طبي متوفر في سوريا
يعتقد الباحث في مجال التغذية والنباتات الطبية الدكتور المهندس الزراعي هيثم زوباري، أن عدد النباتات الطبية في سوريا يتجاوز 3600 صنف، وفق تعريف واسع للنبات الطبي يشمل الأشجار والشجيرات والنباتات السنوية والدائمة، البرية والمزروعة، التي يمكن الاستفادة من مكوناتها في الاستخدامات العلاجية أو الصحية.
وأوضح زوباري أن من الأمثلة على ذلك الزيتون والخروب والبلوط والغار، إضافة إلى الزعتر والمريمية والحبة السوداء والحلبة والبابونج والكزبرة والشيح، مشيراً إلى أن الفائدة الطيبة من هذه النباتات تختلف باختلاف النوع والجزء المستخدم وطريقة التحضير والاستعمال.
زراعات واعدة وقيمة اقتصادية مضافة
أشار زوباري، الذي يرأس جمعية الباحثين في علوم التغذية والعلاج الطبيعي في سوريا منذ عام 2017، إلى جهود تتضمن تشجيع زراعة عدد من الأعشاب الطبية والعطرية، مثل المريمية والوردة الشامية والليمون حشيشة والأرضي شوكي والزعرور والخروب، مبيّناً أن تطوير هذا القطاع يمكن أن يضيف قيمة اقتصادية من خلال تصنيع المنتجات النباتية بدلاً من بيع المواد الأولية، بما في ذلك الزيوت النباتية والعطرية والكريمات والمستحضرات المختلفة، فضلاً عن إمكانية خلق فرص عمل جديدة ودعم الصناعات المتصلة بالزراعة.
وأشار إلى أهمية الحفاظ على بعض النباتات البرية من النفاد مثل أنواع الزعتر والزعرور وحشيشة القلب والأرقطيون والبلوط والخروب والغار، من خلال تنظيم جمعها وتشجيع زراعتها للحفاظ على التنوع البيولوجي واستدامة الموارد.
ثلاثة تحديات أمام التوسع
بحسب زوباري، تتمثل أبرز التحديات أمام التوسع في هذه الزراعات في عدم اقتناع بعض المزارعين بفاعليتها، والحاجة إلى أسواق تضمن عائداً ملائماً للمنتج، إضافة إلى توفير التمويل والخبرات التقنية اللازمة للانتقال إلى زراعة متخصصة ومنهجية.
ويدعو زوباري إلى تحديث القوانين التي تنظم هذا القطاع، وتحفيز البحث العلمي والإنتاج المنظم والرقابة الحكومية، بما يسمح بتطوير منتجات نباتية تتماشى مع المعايير المطلوبة محلياً ودولياً.
بين الخبرة الميدانية والدليل العلمي
أكد زوباري أهمية اعتماد الاسم العلمي للنبات وتحديد مكوناته الكيميائية ودراسة آليات تأثيرها، إلى جانب التشخيص الطبي الدقيق للحالة المرضية قبل اختيار أي مستحضر نباتي، موضحاً أن اختلاف العمر والجنس والحالة الصحية والنظام الغذائي والبيئة ومدى الالتزام بالعلاج عوامل تؤثر في الاستجابة.
وأشار إلى أن خبرته البحثية والميدانية شملت العمل على مستحضرات نباتية لحالات صحية متعددة، مع التأكيد على أن هذه الاستخدامات تحتاج إلى تقييم علمي وسريري لكل نبات ومستحضر وحالة، وأن الأعشاب، شأنها شأن الأدوية الأخرى، قد تكون لها فوائد أو مخاطر وتداخلات دوائية وفقًا لطبيعة استخدامها وجرعتها.
نحو إطار علمي وتنظيم مهني
وختم زوباري بتأكيده على ضرورة تنظيم ممارسة طب الأعشاب وفق أسس علمية واضحة، بما يحمي المرضى من الممارسات غير المتخصصة، ويتيح في الوقت نفسه الاستفادة من الإمكانات الزراعية والاقتصادية التي توفرها الأعشاب الطبية والعطرية في سوريا، مع تعزيز التعاون بين الباحثين والهيئات الزراعية والصحية والجامعات والقطاع الإنتاجي.
وفي النهاية، يمكن القول إن تطوير النباتات الطبية والعطرية يمثل فرصة تجمع بين الزراعة والبحث العلمي والتصنيع وفرص العمل، إلا أن الاستفادة المستدامة منها تتطلب قاعدة بيانات نباتية دقيقة، وأبحاثاً علمية موثوقة، وتشريعات حديثة، ورقابة على الإنتاج والتصنيع والاستخدام، مما يوازن بين القيمة الاقتصادية وسلامة المستهلك وحماية الموارد الطبيعية.

