القامشلي

منذ ١٩٩٩ مستمرون

نزهة السيران في دمشق: تقليد يتجدد عبر الأجيال
مجتمع

نزهة السيران في دمشق: تقليد يتجدد عبر الأجيال

الحرية – إسماعيل النجم:

لا يحتاج أهل دمشق إلى توجيهات ليعرفوا أن يوم النزهة قد حل، إذ يكفي أن يلاحظوا السيارات المثقلة بالأمتعة مثل السجاد والكراسي وأكياس الفحم، وأن يسمعوا ضحكات الأطفال تملأ الأجواء.
في صباح كل جمعة، تترك العائلات ضوضاء المدينة وراءها، وتأخذ معها الأطعمة، وأباريق الشاي، وأوراق اللعب، ساعيةً إلى ظل شجرة أو رقعة خضراء تجمعهم بعيدًا عن جدران المنازل.
هناك، بين رائحة الشواء ورائحة القهوة وأنغام الموسيقى، تتحول النزهة إلى قصة اجتماعية تتناقلها الأجيال.
فالنزهة الدمشقية ليست مجرد يوم في الهواء الطلق، بل عادة قديمة تعرف كيف تتأقلم مع العصور دون أن تفقد جوهرها.

من السير على الأقدام إلى السيارات المحملة بالأغراض

بدأت النزهة في السابق بالانتقال “مشياً على الأقدام”، حيث كانت عائلات دمشق تقصد البساتين القريبة بحثاً عن الهواء النقي والراحة، ومع مرور الوقت، تغيرت وسيلة الوصول، لكن الفكرة بقيت كما هي: يوم خارج المنازل بعيداً عن مشاغل العمل وصخب المدينة.
ومع ارتفاع تكاليف المطاعم وأماكن الترفيه، استعادت النزهة مكانتها بين العائلات باعتبارها وسيلة ترفيه اجتماعية أقل تكلفة، فتتوجه العائلات نحو طريق المطار أو تصعد إلى مناطق وادي بردى وبلودان والزبداني والقرى المحيطة بجبل الشيخ، محملة بكل ما تحتاجه لقضاء يوم طويل في أحضان الطبيعة.
وتقول رند من سكان منطقة الصالحية إن النزهة لا تقتصر على موسم واحد، بل لكل فصل روعة خاصة.ففي الصيف، تبحث العائلات عن الظلال والأماكن المظللة للهروب من الحر. بينما الشتاء يمثل فرصة للرحلات إلى المناطق المرتفعة للاستمتاع بالثلوج في بلودان والزبداني، حيث يجتمعون حول مواقد الفحم.
أما الربيع، فيحمل تقليداً آخر يُعرف بـ”رحلات المؤنة”، فتتجه العائلات إلى سفوح جبل الشيخ، حيث يقضون يومهم في الطبيعة ويعودون محملين بالمنتجات المحلية كالخضروات التي تشتهر بها المنطقة.

قطار الرحلات.. علامة من الماضي وذكرى مستمرة

يروي الباحث في التراث محمد فياض الفياض تفاصيل عن رحلات الدمشقيين القديمة المرتبطة بـ”قطار الرحلات” الذي كان ينطلق من محطة الحجاز في دمشق متوجهاً إلى سرغايا، المنطقة ذات المناخ الفريد، وكان يتوقف لفترة وجيزة في الهامة للتزود بالمياه، ثم إلى جديدة الشيباني، ثم إلى عين الفيجة المكتظة بأشجار الجوز القديمة، حتى مضايا وبلودان حيث تلتقي الأشجار.

يوم بلا أجهزة ذكية

يرى الفياض أن النزهة في الوقت الحالي أصبحت تمتاز بميزة مختلفة، إذ تتحول إلى نوع من “العزلة الطوعية بعيداً عن شاشات الأجهزة الذكية”. تتواصل العائلات وتتجاهل الهواتف، وتبدأ الأحاديث الودية، وتعلو الأغاني الدمشقية، قبل أن تتشكل حلقات الرقص الشعبي.
ولا تتمثل النزهة فقط في الترفيه، بل كانت مساحة للتعارف بين العائلات، وأحياناً انتهت بعض اللقاءات إلى روابط وزيجات جديدة أساسها المحبة. كما تذوب فيها الفوارق بين الغني والفقير وهم جالسون على الأرض.

من السلطات إلى معدات الطهي

وللنزهة أيضاً تنظيم خاص. يقول أديب حسن من سكان ركن الدين، إن الرجال يتكفلون بشراء المعدات والشواء، بينما تنشغل النساء بإعداد السلطات والمقبلات.
وبين العائلات المختلفة، يحدث تبادل للأطباق، ليتحول “جيران النزهة” إلى مائدة موحدة، وعلى جوانبها يتألق إبريق الشاي والقهوة والمتة المعدة على الفحم، جنباً إلى جنب مع معدات الطهي القديمة كجزء من تراث الرحلات.
ويشير حسن إلى أن التوسع العمراني تقلص مساحة الغوطة الخضراء، فيما لم تعد ضفاف نهر بردى في الربوة مفتوحة للعائلات ذات الدخل المحدود كما في السابق، بعدما استحوذت عليها معظم المطاعم.
ولهذا يتوجه بعض السكان إلى المتنزهات الشعبية البسيطة، حيث لا يحتاج الزائر إلى أكثر من أرجيلة أو ورق لعب لقضاء ساعات من الاسترخاء والمتعة بأقل التكاليف.
وفي نهاية اليوم، بعد أن تخمد نار الفحم وتبدأ العائلات في جمع الأمتعة، تكون النزهة قد أدت دورها مرة أخرى: يوم بسيط في الروزنامة، لكنه يحمل معه ذكرى مدينة كاملة، من قطار الرحلات إلى سيارات اليوم، ومن المشي إلى النزهة التي لا تزال دمشق تجد فيها ساحة لل


اشترك بالإعلام الفوري بالاخبار الجديدة بالإيميل .. ضع بريدك