الأبصار في الطرب الفراتي: قصة السحر ولسان شامل يعاتب ويغوي ويدمي
تبدأ الحكاية في منطقة الفرات من نظرة عين قد تلمح من بعيد، أو إشارة تختصر الكثير من الكلمات، أو فتاة تمر بمحاذاة النهر فتترك خلفها قصيدة. العيون في الغناء الفراتي لم تكن مجرد جزء من وجه المحبوبة، بل تحولت إلى لغة كاملة تعاتب أحياناً، وتجذب أحياناً أخرى، وتجرح في أوقات معينة، فيما واصل أبناء الفرات نشر تلك اللغة وترديدها عبر الأجيال.
العيون في الأغاني التقليدية
وبحسب ما تشير الباحثة في التراث غادة الدرويش، إن سكان الفرات قد وثّقوا حياتهم في أغانيهم التي تضمنت تفاصيل العمل والعشق والعتاب والمناسبات والزواج وغيرها، وكانت العيون في كثير من هذه الأغاني عنصرًا بارزًا. في أغنية «آه يمه من ادروبيه»، وهي من الأغاني القديمة التي كانت تُغنى في الدبكة، تتحول لغة العيون إلى وسيلة للعتاب في قصة امرأة تسأل حبيبها عن سبب البعد:
«لماذا تضربني وليس لك حاجة.. لا غرض لديك ولا حاجة
لولا غمز العين يكفي الحاجة.. لغامز الغزلان في البرية»
العيون بين الجمال والغيرة
وقالت الدرويش إن العين ليست فقط مصدر جمال، بل تكشف عن الشوق والغيرة، وتنطق بما تعجز صاحبتها عن قوله مباشرة. في «السويحلي» تصبح النظرة كدعوة للوصال:
«عينك علينا مازلنا جيران عينك علينا… وإلا تجينا بحجة غرض يازين إلا تجينا»
أغاني العيون أطول عمراً من أصحابها
أوضح الباحث عبد القادر عياش في مجلة صوت الفرات حول الأغاني الفراتية بأن أغاني العيون ربما تعيش أطول من أصحابها، فقد تُنسى أسماء الشعراء وتُهمل القصص التي جاءت منها الأبيات، ولكن العين تبقى مفهومة للجميع. في «الهلابا»، وهو نوع من الغناء، تصل العين لمكانة أقوى:
«شفت الزين عل خابور… ودمع العين عالوجنات حدر
طولي على طولك مقدر… وبيجي الزود ياسمحه الرقابا»
عودة الغناء للعيون في اللون ذاته لتصبح حركة خاطفة:
«شفت الزين يغمز لي بعينه… ويجر الميل من عيني لعينه
أبو فلان يارب تعينه… عيونه زين لورد الجوابا»
وفي لون «أبو الورد»، يكفي تشبيه واحد لتثبيت الصورة:
«طلعت بصورة نونها… والكتب اللي يقرونها
حبر أسود عيونها… عيون الغزال اللي يرد»
حضور جمال العين في الأغاني
في «النايل» تستعيد العيون هدوءها:
«الطول كله رقبة والصدر كله حروز.. والعين عين الغزالة الضامرة بتموز»
وفي «اللكاحي»، يعود الغزال ليكتمل بجمال العين:
«لا عن عنين المكسور اللي أهلو يدارونوه… ولفي غزال مضمر ومكملات عيونه»
وأفاد الباحث محمد الموسى الحومد بأن العيون احتلت مكانة كبيرة في القصيد والعتابا والموليا والنايل واللكاحي، لأنها في المخيلة الفراتية «مصدر للجمال وسحر للقلوب».
في منطقة الفرات، لم تكن العيون مجرد عضو بصري، بل كانت صوتًا بلا كلام، منها يبدأ العتاب، ومنها يولد الغزل، وبنظرة واحدة يمكن أن تبدأ أغنية كاملة.

