من منطقة المزة إلى زقاق الجن.. تسمية أحياء دمشق تروي تاريخاً غير مكتوب
بين سوق يحمل اسم والٍ عثماني وحي ارتبط بحرفة قديمة، وزقاق يحيطه روايات عن الجن، تختبئ في أسماء دمشق قصص تتجاوز ما تقوله اللافتات، فخلف كل اسم أثر من ماضٍ بعيد، غزو ترك بصمته في المكان، أو جماعات جلبت أسماء أوطانها إلى سفوح قاسيون، أو مهن اندثرت وبقي صداها في أسماء المناطق. من المزة إلى الميدان، ومن برج الروس إلى سوق ساروجة، تتحول خريطة العاصمة إلى سجل مفتوح، يمكن من خلاله تتبع روايات مدينة لم تحتفظ بتاريخها في الكتب وحدها، بل تركت بعضه على أبواب شوارعها.
تبدأ القصة من المزة، حيث تتواجد تفسيرات متنوعة لاسم المنطقة التي كانت سابقاً قرية قبل أن تصل إليها دمشق الحديثة. بعض الروايات تربط الاسم بكلمة يونانية تشير إلى ارتفاع المنطقة، بينما تذهب رواية شعبية أخرى إلى بساتين الصبار فيها، حيث كان المارة يتناولون ثمارها ويصفونها بأنها “مَزة”. وبين التفسير اللغوي والحكاية الشعبية، يبقى الاسم شاهداً على مكان تغيرت معالمه مع توسع المدينة.
ومن المزة إلى سفوح قاسيون، تتحول القصة من طبيعة الأرض إلى حركة الناس. حي المهاجرين يعيد تصوير مرحلة وصول جماعات من المسلمين إلى دمشق في أواخر الحكم العثماني، بعد مغادرتهم مناطق في البلقان وغيرها، وبحسب الرواية المتداولة، أسكن والي دمشق قسماً منهم في السفوح، فحمل المكان اسم “المهاجرين”، وكأن التسمية احتفظت بذكرى من وجدوا فيه موطناً جديداً.
بعض أسماء دمشق تعيد إلى الأذهان مشاهد أكثر قسوة، فبرج الروس يرتبط بحملة تاريخية على المدينة، ويعود اسمه إلى بناء الجنود برجاً من رؤوس ضحاياهم لترهيب السكان، رواية بقيت في الذاكرة. واسم حي الميدان يرجع لفترة كانت فيها الأرض الواسعة ميداناً لسباقات الخيل، ومرتبط بالحصى الذي حملته فيضانات فرعي بردى.
لا تقل أسماء الأسواق قدرة على كشف التحولات، فسوق مدحت باشا كان يعرف باسم سوق جقمق، قبل أن يرتبط اسمه بوالي عثماني شهد عهده توسعته في القرن التاسع عشر. أما زقاق الجن، فيترك الباب مفتوحاً أمام الخيال، مع روايات تربط الاسم بكثرة الأشجار والرياح والأصوات التي كانت تُسمع ليلاً، ما عزز الاعتقاد بأن المكان مسكون بقوى خفية. اليوم، أصبحت محاله معروفة ببيع قطع تبديل السيارات، لكن اسمه ما زال يستدعي حكاية غامضة.
حي البرامكة يحمل رواية مختلفة، حيث ترتبط بعض القصص باسمه بمقبرة قديمة ضمت قبور آل برمك. وفي القزاز، يُشار إلى ارتباط الاسم بدود القز الذي يُستخدم في إنتاج الحرير الطبيعي. سوق ساروجة يرتبط بقائد تاريخي في العصر المملوكي قبل أن يتحول الحي إلى منطقة بارزة خارج أسوار المدينة.
في حي العمارة، تروي المعالم التاريخية جانباً آخراً من ذاكرة المكان، بين باب الفراديس وضريح تاريخي ومقام السيدة رقية. أما في مناطق مثل ركن الدين وأبي رمانة والميسات، فتتعدد الروايات التي تربط الأسماء بشخصيات ومقامات تاريخية.
هكذا تتحول خريطة دمشق إلى كتاب مفتوح، لا تُقرأ صفحاته بالحبر، بل بأسماء الأحياء والأسواق والأزقة، تقود إلى شخصيات وأحداث، وتعتمد على حكايات لم تُحسم تفاصيلها، لكنها جميعاً تكشف كيف تحتفظ المدينة بماضيها في أسماء تُردد كل يوم، دون التوقف أحياناً عند ما تخبئه من أسرار.

