كيف نعزز الجرأة لدى الأطفال ونبني ثقتهم دون إضعاف شخصيتهم؟
في عالم التربية، تعد عبارة “قف وتحدث أمام الجميع” مصدرًا للقلق للكثير من الطلاب، إذ إن كلًا من المعلمين والآباء غالبًا ما يحاولون تقوية أبنائهم وتشجيعهم على التحدي، مما يقود أحيانًا إلى دفع الطفل بشكل مفاجئ لمواقف مواجهة علنية لم يُستعد لها. قد يتسبب هذا في أن يظل الطالب صامتًا، ليس بسبب نقص المعرفة، بل خوفًا من الإحراج أكثر من الخوف من الخطأ.
الخبير التربوي علي الصافي يوضح أن كسر شخصية الطفل أو إجباره بالقوة ليس الحل الأمثل لضبط سلوكه، حيث يمكن أن يخلف آثارًا نفسية عميقة، ويولد طفلاً إما مطيعًا بصورة عمياء أو ضعيف الثقة بالنفس. في سن صغيرة، قد يكون العناد مؤشرًا لحاجة إلى الاستقلالية أو نتيجة لاحتياجات غير ملباة، وهو وسيلة يعبر بها الطفل عن عدم قدرته على التعبير بالكلمات.
البديل عن تجاهل الخجل أو ترك الطفل ينسحب هو خلق ما يُعرف بـ”منطقة النمو التقريبي” وفقًا لنظرية فيجوتسكي، وهي المساحة بين ما يمكن للطفل إنجازه بمفرده وما يمكنه تحققه بمساعدة شخص أكثر خبرة. في هذه المنطقة، يتم دعم الطفل وتقديم توجيه مناسب له، حيث ينسحب الدعامة تدريجياً مع اكتساب الطفل للمهارات والاستقلالية.
أهمية التحدي التدريجي تكمن في أنه يساعد في بناء المرونة والثقة، حيث لا يعني مواجهة الخوف أو القلق الاجتماعي دفع الطفل إلى المواقف الأصعب مباشرة، بل تقديمها على مراحل صغيرة ومتفق عليها. في السياق المدرسي، يُمكن العمل على خطة مشاركة تدريجية، تبدأ بالعرض أمام مجموعة صغيرة وتتوسع تدريجيًا إلى الصف بالكامل.
دليل عملي يمكن اتباعه مع الأطفال يتضمن سؤالهم عن الخطوة الصغيرة التي يمكنهم اتخاذها اليوم، بدلاً من مطالبتهم بالشجاعة الفورية. يتم الاتفاق على تسلسل للمشاركة تبدأ بكتابة الإجابة، ثم مناقشتها مع زميل، ثم عرضها أمام مجموعة صغيرة، فالمجموعة الكاملة. يجب التهيئة المسبقة للموقف، مع إعطاء الطفل وقتًا كافيًا للتفكير بعد السؤال.
في الختام، يوضح الصافي أن الفارق بين التربية التي ترى الخوف كعدو يجب القضاء عليه، وتلك التي ترى فيه إشارة إلى حدود غير موسعة، يكمن في تعليم الطفل أنّ الشجاعة ليست تهديد الخوف، بل الخطو بخطوات صغيرة رغم وجوده. على أولياء الأمور والمعلمين أن يبدؤوا في بناء سلالم مشاركة تدريجية، عوضًا عن الاكتفاء بمن يرفعون أيديهم بسرعة، فالتحدي الحقيقي يكمن في توسيع حدود الشخصية بأمان.

