إمبراطورية الإعجابات وحقبة الشهرة الفورية.. حينما تتراجع الثقافة أمام هيمنة المقاطع القصيرة
في غرفة المعيشة، يجلس أفراد الأسرة في وضع متقابل دون تبادل النظر، حيث ينشغل الأب بمشاهدة فيديو قصير على هاتفه، بينما تتصفح الأم المشاركات المختلفة. الأطفال يتبادلون مقاطع الفيديو والضحكات عبر شاشاتهم، تمر لحظات طويلة دون تبادل للكلام حول يومهم أو أمور العائلة، فيما أصبح مشهداً مألوفاً في العديد من المنازل، حيث تهيمن الشاشات على الحوار، وتستحوذ المقاطع السريعة على وقت كان مخصصاً للتواصل الشخصي.
لم يعد لبلوغ الملايين من المتابعين حاجة إلى سنوات من التعليم أو الخبرة العملية. في بعض الأوقات، يكفي بضع ثوانٍ أمام الكاميرا، أو رقصة ساخرة أو تعليق مثير للجدل، ليصبح الشخص معروفاً ويجني دخلاً يتجاوز ما يحققه أهل الخبرة عبر سنوات.
تسهم وسائل التواصل الاجتماعي في إعادة تشكيل تأثير المجتمع، مما يمنح الشهرة السريعة مجالاً يضمحل فيه حضور الخبرة المتراكمة، بينما تُسند الخوارزميات تحديد من يستحق الظهور للعلن.
تحولت وسائل التواصل الاجتماعي من ساحة لتبادل المعرفة وإظهار المهارات، إلى منصات تُحدد معايير الشهرة بقدرة الشخص على جذب الانتباه. تغيرت معايير الحضور بشكل واضح، إذ لم تعد سنوات الدراسة والجهد تضمن الوصول للجمهور، بينما أصبحت الأرقام التي تعبر عن المتابعين والمشاهدات مقياساً شائعاً للمكانة. أحياناً، يتيح المحتوى السطحي فرصة للانتشار أكبر مما يتوفر لباحث أو معلم، بفضل ملاءمته لما تفضله الخوارزميات.
تمتد هذه الظاهرة إلى تأثير المشاهير في تشكيل وعي الشباب، حيث يمكن للشخص الذي يجمع ملايين المتابعين أن يصبح نموذجاً يُحتذى به، حتى وإن لم يتوفر لديه الخبرة لتبرير هذا التأثير.
المشكلة تظهر عندما يصبح الشاب، رغم صغر سنه وقلة تجربته، نموذجاً يسعى الآخرون لتقليده. يعكس التجاوب مع مظاهر الترف الفارغة مفهوماً ضيقاً للنجاح يربطه بالثراء السريع، ما قد يعزز شعور النقص لدى المراهقين ويشغلهم في مطاردة الإعجابات على حساب علاقاتهم الحقيقية وتحصيلهم الدراسي.
يشير الخبراء إلى أن الخطر يكمن في اتخاذ شخصيات عبر الإنترنت كقدوة دون معرفة قيمها أو حقيقة حياتها، حيث أن الصورة المثالية لا تكشف بالضرورة ما تخفيه الحياة اليومية من إخفاقات وتناقضات. ويمتد هذا التأثير إلى داخل الأسرة؛ إذ تسيطر المقاطع القصيرة على اهتمام أعضائها، مما يجعل جلسات الحوار تتراجع لصالح تبادل مقاطع الفيديو بين الأطفال، بينما يتابع الآباء محتوى يجذب اهتمامهم، مما يخلق فجوة بين الأفراد المتواجدين في نفس المكان ولكن في عوالم رقمية مختلفة.
لمواجهة هذه الظاهرة، لا يتطلب الأمر الابتعاد عن العالم الرقمي، بل إعادة توجيه استخدامه. من خلال مساعدة العائلة لأبنائها على التفكير النقدي وتشجيع المدارس على إنتاج محتوى تعليمي ينافس المحتوى السريع الانتشار. يتحمل المجتمع مسؤولية توجيه المشهد، حيث أن كل مشاهدة وإعجاب يمنحان المحتوى فرصة أكبر للانتشار، وبوجود العلماء والمفكرين وأصحاب التجارب الملهمة، يصبح من الضروري تسليط الضوء على هذه النماذج لإعادة الاعتبار إلى المعرفة والخبرة والقيم. في زمن “الترند”، لم يعد السؤال كم عدد المتابعين، بل ماذا يضيف هذا الحضور إلى حياة الآخرين.

