من إصلاح الأذى إلى إعادة بناء الإنسان.. التعليم والقيم في التصدي لتبعات الأزمة السورية
لم تكن السنوات العديدة التي مر بها المجتمع السوري مجرد فترة من الاضطرابات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، بل كانت تجربة إنسانية حادة تركت بصماتها العميقة في حياة الأفراد والأسر، وفي منظومة القيم والعلاقات. بالإضافة إلى الخسائر البشرية والمادية، تراجع الإحساس بالأمان واضطربت الثقة بالآخرين، وحدث تصدع في الروابط الاجتماعية، وازداد القلق حول المستقبل.
من هنا، فإن الحديث عن الصحة النفسية في المجتمع السوري لا ينبغي أن يقتصر على تشخيص الاضطرابات ومعالجتها، بل يجب أن يتسع ليشمل الظروف التربوية والأخلاقية التي تمكن الفرد من استعادة توازنه، والمجتمع من إعادة بناء علاقاته.
وللإجابة على السؤال الجوهري في هذا السياق، كيف يمكن لمجتمع أرهقته سنوات الخوف والفقد أن يعيد بناء الإنسان القادر على التعلم والتفكير والتعايش مع الآخرين؟ التقت “الحرية” الدكتور إبراهيم المصري، عضو الهيئة التدريسية في كلية التربية الثالثة بجامعة دمشق.
أوضح الدكتور المصري في البداية أنه، ومن منظور فلسفة التربية، لا يمكن فهم الإنسان بمعزل عن العالم الذي يعيش فيه؛ فهويته وثقته بنفسه وبالآخرين تتشكل من خلال علاقاته الأسرية والتربوية والاجتماعية، وخبرته بالأمان والعدالة والاعتراف.
وعندما يمر الإنسان بسنوات من العنف أو الفقدان أو النزوح، قد تتجاوز آثار التجربة الألم المباشر لتؤثر على نظرته لذاته وللعالم، وقدرته على تصور مستقبل يستحق العمل من أجله. ولا يعني ذلك أن جميع السوريين يعانون اضطرابات نفسية، لكن حجم المحنة يجعل الصحة النفسية تتجاوز حدود العيادة، لتصبح متصلة بشروط الحياة الإنسانية والاجتماعية.
وأكد الدكتور المصري أن الثقة ليست مجرد شعور عابر، بل شرط أساسي للحياة الاجتماعية والتربوية. فإن إعادة بناء الثقة في المجتمع السوري يتطلب توفير خبرات يومية يشعر فيها الفرد بالأمان والإنصاف والاحترام. المدرسة العادلة والأسرة الداعمة تُسهم في بناء الثقة الإنسانية.
وأشار الدكتور إلى أن التربية ليست بديلاً عن العلاج، لكنها عامل مهم في التعافي، حيث لا تتحمل التربية مسؤولية علاج الاضطرابات النفسية بالمعنى السريري، لكن يمكنها توفير بيئة تساعد على التعافي والنمو.
وأكد على أن من أخطر ما يواجهه الفرد أنه عند احتياجه للمساعدة، قد تُعتبر معاناته سبباً للوصم أو الإقصاء. من منظور الأخلاق، كرامة الإنسان لا تتوقف على سلامته النفسية أو قدرته على الإنتاج؛ إذ إن الإنسان لا يفقد قيمته لأنه تألم، ولا يصبح أقل استحقاقاً للاحترام لأنه احتاج إلى الدعم.
وأشار إلى أهمية إعادة بناء المجتمع السوري من خلال مشروع تربوي وأخلاقي يعتمد على صون كرامة الإنسان، وإعادة بناء الثقة بالعدالة، وتوفير الفضاءات التعليمية التي تعزز الحوار والتفكير النقدي، والتكامل بين التربية والصحة النفسية والخدمات الاجتماعية.
واختتم الدكتور المصري بقوله إن المجتمع السوري لا يحتاج فقط إلى تجاوز آثار الصدمات، ولكن أيضاً إلى استعادة الشروط التي تسمح لأفراده بالعيش بكرامة، والتعلم بحرية، والمشاركة في بناء مستقبلهم. فالتعافي الحقيقي يكمن في توفير واقع يمنح الأمان والعدل والاحترام، بحيث تصبح التربية فعلاً إنسانياً يفتح إمكانات جديدة للحياة.

