القامشلي

منذ ١٩٩٩ مستمرون

"الميراث المهني بين العشق والقيود: السير على درب الأجداد"
مجتمع

“الميراث المهني بين العشق والقيود: السير على درب الأجداد”

عندما يصبح اسم الأسرة مرتبطًا بمهنة معينة، يصبح اختيار المستقبل أمرًا ليس فرديًا تمامًا. بعض الأبناء يدخلون عالم آبائهم بدافع المحبة والانتماء، وآخرون يجدون أنفسهم يسيرون في نفس الطريق تحت تأثير الأسرة أو الضغوط المجتمعية أو حتى الخوف من تجربة جديدة. بين الشغف والتراث العائلي، تظهر ظاهرة يمكن وصفها بـ«توريث المهنة» في العديد من العائلات، حيث تنتقل المهنة من جيل إلى جيل كما تنتقل العادات. فالطبيب يتمنى أن يكون ابنه طبيبًا، والمحامي يريد أن يحمل ابنه حقيبة المحاماة، والتاجر يفتح لأبنائه أبواب محله. ولكن قد يشعر بعض الأبناء بأنهم مطالبون بالحفاظ على «اسم المهنة» حتى لو كانت أحلامهم مختلفة.

«كنت أرغب أن أكون كالوالد»
يصرح الطبيب أحمد حسن (27 عامًا): «منذ صغري وأنا أرى والدي يعود من المستشفى ويحكي لنا عن مرضاه ومواقفه، لم أشعر يومًا بأن الطب فرض علي، بل كان جزءًا من حياتي. عندما التحقت بكلية الطب شعرت أنني أكمل قصة بدأت قبلي». أما سارة (24 عامًا)، محامية، فتروي تجربة مختلفة: «والديّ يعملان في المحاماة، وكان الجميع يتوقعون أن أصبح محامية. في البداية، كنت أرغب في دراسة الإعلام، لكنني خشيت أن أشعر عائلتي بأنني أرفض طريقهم. بعد سنوات، اكتشفت أنني أحب القانون وأشكر والدي على تمهيد الطريق لي، فالمكتب موجود والسمعة تسبقه والعملاء يقصدوننا كاسم عريق».

بين الشغف والضغط
ولا يكون تأثير العائلة دائمًا مباشرًا، فأحيانًا تكفي البيئة المهنية المحيطة بالطفل حتى تصبح المهنة الخيار «الطبيعي» له. يقول سامر (35 عامًا)، صاحب ورشة عائلية: «والدي كان يرغب أن أعمل معه، وفي البداية كنت أطمح للعمل في مجال آخر، لكن بعد وفاته، شعرت أن ترك المهنة سيكون تخليًا عن إرثه. اليوم أحب عملي، لكن البداية كانت مرتبطة بالمسؤولية تجاه العائلة أكثر من رغبتي الشخصية». على الجانب الآخر، اختارت ليان (29 عامًا)، مصممة جرافيك، كسر التقليد: «عائلتي تضم أجيالًا تعمل في التجارة، وكان من المتوقع أن أنضم إليهم، لكنني وجدت نفسي في الرسم والتصميم، وربما الوضع المادي الجيد سمح لي بالاختيار دون ضغط».

رؤية تعليمية
ترى المعلمة مرام يوسف أن توريث المهنة يرتبط بعوامل عدة، منها البيئة الأسرية وثقافة المجتمع وصورة المهنة في عيون العائلة. وتقول: «الطفل يتأثر بما يراه يوميًا أكثر من الكلام. عندما ينشأ في أسرة تمارس مهنة معينة ويشاهد نجاح والديه فيها، تتكون لديه صورة إيجابية عنها وقد يعتبرها جزءًا من هويته. المشكلة تبدأ عندما يتحول الإرث المهني من خيار إلى التزام». وتضيف أن وجود نموذج عائلي ناجح في مهنة معينة يمكن أن يكون فرصة حقيقية للابن، لأنه يحصل على خبرة ودعم وشبكة علاقات جاهزة، لكن ذلك لا يجب أن يلغي حقه في اختيار طريقه.

من منظور نفسي: هل هو اختيار أم تقليد؟
توضح ضحى عبد الله، مستشارة نفسية، أن الفرق الأساسي يكمن في الدافع وراء اختيار المهنة، وتقول: «إذا اختار الابن مهنة والده لأنه يستمتع بها ويرى أنه يستطيع التطور فيها، فهذا ليس سلبيًا، بل قد يكون امتدادًا صحيًا للخبرة العائلية. أما إذا كان الاختيار مبنيًا على الخوف من خيبة أمل الأسرة أو الشعور بالذنب، فقد تظهر مشكلات مثل عدم الرضا والإحباط والشعور بأن الشخص يعيش حياة لم يخترها بنفسه».

الإرث ليس بالضرورة قيدًا
وبين مؤيد ومعارض، تبقى الحقيقة أن توريث المهنة ليس ظاهرة سلبية بحد ذاتها. بعض العائلات تمكنت من بناء خبرات متراكمة عبر الأجيال وتحولت المهنة إلى مشروع عائلي ناجح. لكن النجاح الحقيقي لا يكمن في أن يمارس الأبناء نفس المهنة، بل في أن يكون اختيارهم لها نابعًا من قناعة حقيقية. فالمهنة والخبرة يمكن توريثهما، واسم العائلة قد يفتح الأبواب، لكن الشغف لا يمكن توريثه بالقوة.


اشترك بالإعلام الفوري بالاخبار الجديدة بالإيميل .. ضع بريدك