عندما يعم السكون.. ما سبب تحول مشاعر الأفراد وتناقص التعاطف في حياتنا المعتادة؟
في وسط ضجيج المدينة، وقف رجل مسن بجانب حافلة طالباً المساعدة، ليواجهه السائق بجفاء غير مبرر. لم يكن المسن يطلب مالاً بل ربما كلمة طيبة، وكان مظهره المهترئ خير دليل على ذلك. ومع تحرك الحافلة، فقد توازنه وتشبث بالباب، وكاد أن يسقط على الطريق، دون أن يلتفت إليه أحد، سواء من الركاب أو المارة.
ما كان مؤلماً ليس الإهانة فقط، بل عدم استجابة الموجودين؛ إذ لم يقم أحد بأي ردة فعل، مما جعل السائق يشعر بأن ما فعله أمر طبيعي. إن المجتمع الذي لا يستغرب القسوة يصبح مشاركاً في نشرها، لا بقصد ولكن بالتجاهل.
هاك السؤال الأكبر: ما الذي تسبب في تغير طبيعة بعض الناس في زحام الحياة، ولماذا لا يهب أحد للدفاع عن الأضعف؟
توضّح الأخصائية النفسية فاطمة البارودي، في حديثها، أن هذه الحالة تُعرف بـ”تأثير المتفرج”، حيث يقل احتمال تقديم المساعدة مع وجود شهود. تُعزى هذه الظاهرة إلى تشتيت المسؤولية، حيث يفقد الأفراد القدرة على التفاعل العاطفي السليم بسبب الصدمات المتكررة، مما يؤدي إلى استخدام الانغلاق العاطفي كوسيلة حماية من الألم المفرط.
وتعتبر البارودي أن عدم التفاعل العاطفي هو طريقة لفصل النفس عن التأثر بالأحداث العاطفية، مما يفسر عدم شعور الناس بالمسؤولية عن أفعالهم، وهو ما يتناسب مع “نظرية العالم العادل”، حيث يعتقد البعض بأن العالم ينصفهم، مما يدفعهم لتبرير القسوة.
تقول البارودي إن هذه الظاهرة ليست انحرافاً أخلاقياً، بل نتيجة لتراكم ردود فعل جماعية، موضحة أن المجتمع السوري، رغم الظروف، لا يزال يحتفظ بقيم الكرم والتعاون، التي يمكن استعادتها بتحسن الأوضاع.
تصف البارودي حالة “تطبيع القسوة”، حيث يتعلم الأفراد من محيطهم أن تجاهل الآخرين أقل كلفة من التدخل، مشددةً على أن تعزيز التعاطف يتطلب تحفيز النماذج الإيجابية في الإعلام.
استعادة الرحمة تبدأ بخطوة صغيرة، والمجتمع الذي يمر بـ”لامبالاة دفاعية” يحتاج إلى من يحيي شعور التعاطف بالفعل لا بالكلام، وإلى مبادرات تجعل الرحمة سلوكاً يومياً. التعافي ممكن، لكنه يبدأ بالاعتراف بأن كل صمت حيال القسوة هو مشاركة في تكريسها.

