التخطيط الاستراتيجي ضرورة أساسية للتفوق السياسي والاقتصادي
لم تعد قوة الدول تُقاس اليوم بما تمتلكه من موارد طبيعية أو مالية فقط، بل بقدرتها على تنظيم هذه الموارد وتوجيهها وفق رؤية مستقبلية محددة. فالفرق الجوّهري بين دولة تُدار بشكل يومي فقط لتسيير شؤونها وأخرى تتقدم بثبات نحو موقع متقدم في الساحة الدولية، يكمن في امتلاكها لنظام تخطيطي استراتيجي يحدد المسار التنموي بعيد المدى.
يوضح الخبير الاقتصادي مهند الزنبركجي، المتخصص في التخطيط الاستراتيجي وتأسيس الشركات القابضة، أن التخطيط الاستراتيجي لم يعد مجرد وسيلة إدارية أو وثيقة شكلية، بل أصبح هو العقل المفكر الذي يوجه الدولة، يضبط السياسات الاقتصادية والاجتماعية، ويمنح المسؤول القدرة على التعامل مع التغييرات الإقليمية والدولية بشكل واعٍ واستباقي.
ويُعتبر التخطيط الاستراتيجي عملية وطنية شاملة تهدف إلى رسم صورة مستقبلية واضحة للدولة خلال العقود القادمة، من خلال تحديد رؤية وطنية طويلة المدى تُترجم إلى أهداف استراتيجية قابلة للتنفيذ. يتطلب ذلك تحليلاً دقيقاً للواقع الداخلي للدولة من حيث الهيكل الاقتصادي والمؤسسات السياسية والنسيج الاجتماعي، بالتوازي مع دراسة البيئة الإقليمية والعالمية وما تحمله من فرص وتحديات. عبر هذا التحليل المتكامل تُختار السياسات والمسارات التي تحقق الاستقرار والتنمية المستدامة بأعلى كفاءة ممكنة.
يشدد الزنبركجي على أن التخطيط الاستراتيجي بمعناه المبسط يهدف للإجابة عن ثلاثة أسئلة رئيسية: أين تقف الدولة الآن، إلى أين تريد الوصول في المستقبل، وما هو الطريق الأمثل لتحقيق ذلك دون هدر مواردها أو المساس باستقرارها.
كما أن أهمية التخطيط الاستراتيجي تتضمن قدرته على تعزيز الثقة في المؤسسات وتحسين أداء الحكومة من خلال وضوح الأدوار وتقليل التكرار في العمل الحكومي. كما أن الدول التي تفتقر إلى رؤية بعيدة المدى غالباً ما تُهدر مواردها في مشاريع بلا تأثير واضح، في حين أن الدول ذات التخطيط الاستراتيجي توجه مواردها نحو الأولويات التنموية المستدامة.
وأشار الزنبركجي إلى أن التخطيط الاستراتيجي يتضمن أيضاً مواجهة الأزمات بشكل أفضل من خلال استعداد مُسبق للتغيرات السريعة في البيئة الاقتصادية والسياسية. الدولة التي تمتلك رؤية استراتيجية واضحة تستطيع التحرك وفق سياسة مدروسة لبناء نفوذها محلياً ودولياً.
وأضاف أن التخطيط الاستراتيجي يساهم في رفع كفاءة الأداء عبر تحديد واضح للأدوار وتقليل التكرار في العمل الحكومي، الأمر الذي يؤدي إلى تقديم خدمات عامة بجودة أعلى وزيادة ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة.
ختاماً، حذر الزنبركجي من الخلط بين التخطيط الاستراتيجي والتخطيط الحكومي الذي يركز على البرامج السنوية وإدارة الميزانيات. التخطيط الاستراتيجي يتعلق بالصورة الكبرى للدولة على مدى عقدين أو ثلاثة، وتجاهله يمكن أن يؤدي إلى ضعف تدريجي نتيجة غياب البوصلة الاستراتيجية.
في سياق سوريا، تظهر عدة مؤشرات لغياب التخطيط الاستراتيجي مثل التضارب بين السياسات الحكومية وتغير الأولويات الوطنية مع كل مرحلة دون وضوح كافٍ. إن غياب التخطيط يحول الدولة إلى مجرد إدارة أزمات يومية، مما قد يتسبب في ضعف تدريجي على المدى الطويل.

