انحسار الفئة المتوسطة في سوريا يهدد التوازن الاقتصادي والاجتماعي

انحسار الفئة المتوسطة في سوريا يهدد التوازن الاقتصادي والاجتماعي

مجد – رامية أسبر:

تتعرض الشريحة الوسطى في سوريا لمرحلة خطيرة غير مسبوقة بعد أن كانت لسنوات طويلة تمثل الضمان للاستقرار الاجتماعي والاقتصادي. اليوم، ومع تزايد الأزمات والمعاناة في المعيشة، تتلاشى هذه الشريحة بصورة غير مسبوقة، مما يضع الاقتصاد السوري أمام تحديات كبيرة تتعدى الأرقام لتؤثر على نسيج المجتمع ومستقبله.
الباحثة في الاقتصاد ليلى أحمد صالح أوضحت لـ”مجد” أن الشريحة الوسطى تُعتبر إحدى الدعائم الأساسية في الهيكل الاجتماعي والسياسي والاقتصادي السوري، حيث شكلت على مر السنين ضمانة للاستقرار.

تآكل الشريحة الوسطى

أشارت إلى أن النزاع في سوريا وما تبعه من تدهور قيمة العملة الوطنية وزيادة كبيرة في الأسعار، إضافة إلى الدمار الواسع في الهياكل الأساسية، أدى إلى تآكل هذه الشريحة بشكل ملحوظ، حيث انخفضت نسبتها من حوالي 60% قبل عام 2011 إلى أقل من 5% بحلول عام 2023.
وأكدت أن هذا الانخفاض ناتج عن مجموعة من العوامل منها ضعف القوة الشرائية، وارتفاع تكاليف المعيشة، وزيادة معدلات البطالة، إلى جانب تراجع الإنتاج وتحول الاقتصاد إلى نمط ريعي، فضلاً عن تدهور المدخرات، وهجرة الخبرات، وتدهور مستوى التعليم، مما أدى إلى انزلاق معظم أفراد الشريحة الوسطى إلى دائرة الفقر.

أكدت أن تراجع الشريحة الوسطى انعكس سلباً على الاقتصاد السوري حيث تسبب في تقلص الاستهلاك الداخلي وضعف القدرة الشرائية، إضافة إلى رحيل الكفاءات وتحول الغالبية نحو خط الفقر، مما أدخل الاقتصاد في حالة ركود تضخمي ونقص حاد في الكوادر المهنية والتعليمية.

آثار اقتصادية مدمرة

أوضحت صالح أن هذا الواقع نتج عنه آثار اقتصادية خطيرة أبرزها انكماش السوق المحلي نتيجة فقدان الشريحة الوسطى لقدرتها الشرائية بسبب تآكل المدخرات وارتفاع الأسعار، مما أدى إلى انخفاض الطلب على السلع والخدمات وتوقف الإنتاج في عدة مصانع، مشيرةً إلى استمرار هجرة الكفاءات مع رحيل أعداد كبيرة من الأطباء والمهندسين والكوادر التعليمية بحثاً عن فرص أفضل، ما حرم البلاد من رأس مالها البشري، بينما تركّزت الثروة في يد قلة، مما أدى إلى تقسيم اقتصادي حاد وظهور ما يسمى بـ”أثرياء الأزمة”.

تحتاج سياسات شاملة

تؤمن صالح أن إعادة بناء الشريحة الوسطى في سوريا تحتاج إلى تبني سياسات شاملة تبدأ بإنهاء النزاع وتحقيق الاستقرار الأمني والاقتصادي، إلى جانب إصلاح المؤسسات بما يضمن الشفافية، وتدعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة باعتبارها العمود الفقري لهذه الشريحة، وذلك بتقديم تسهيلات ائتمانية وحزم تحفيزية، وكذلك إصلاح منظومة الأجور والرواتب لتواكب معدلات التضخم، واعتماد نظام ضريبي عادل يحد من الفساد ويخفف العبء عن ذوي الدخل المحدود والمتوسط، إضافة إلى تنمية الاقتصاد الإنتاجي من خلال دعم الزراعة والصناعات الغذائية الصغيرة لتوليد فرص عمل مستدامة.
كما شددت على ضرورة تنظيم القطاع غير الرسمي ودمجه في الاقتصاد المنظم لضمان حقوق العمال وحمايتهم، مع وضع خطة وطنية لإعادة تأهيل التعليم والتدريب المهني بحيث تتماشى مع احتياجات سوق العمل، واعتماد سياسات حماية اجتماعية طويلة الأمد تدمج بين البعد الإغاثي والتنمية المستدامة، وأيضاً الاستثمار في رأس المال البشري عبر تشجيع عودة الكفاءات المهاجرة واستقطابها، إضافة إلى تعزيز الإصلاح المؤسسي والحوكمة بتطوير النظامين القانوني والقضائي وضمان الشفافية والمساءلة، وضمان عدالة إعادة الإعمار عبر إعطاء الأولوية للمناطق المتضررة ومشاركة المجتمع المحلي، وتفادي حصرها بمصالح فئات محددة.

السيناريوهات المحتملة

أضافت الباحثة وجود سيناريوهات محتملة لإعادة بناء الشريحة الوسطى لكنها تبقى مرتبطة بإنهاء النزاع وبناء الثقة بين المواطن والدولة لأهميته في تحقيق الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
وفي غياب هذه الشروط تواجه الشريحة الوسطى خطر الاندثار الكامل، إذ تراجعت نسبتها من نحو 55% إلى أقل من 5%، لتتأرجح بين عدة سيناريوهات..
– الفقر الشديد: بسبب استمرار تدهور الاقتصاد وتآكل القدرة الشرائية
– التعافي البطيء جداً: وهو سيناريو مرهون ببدء إعادة الإعمار والإصلاحات الهيكلية العميقة
-الاستبدال: عبر تكوين شريحة جديدة قائمة على “أثرياء الأزمة”


اشترك بالإعلام الفوري بالاخبار الجديدة بالإيميل .. ضع بريدك