القامشلي

منذ ١٩٩٩ مستمرون

العقال لدى العرب.. حكاية رمز يتخطى العصور والحدود
مجتمع

العقال لدى العرب.. حكاية رمز يتخطى العصور والحدود

في تفاصيل الزي التقليدي العربي، تبرز بعض المكونات لتكون أكثر من مجرد قطع ملابس، بل تمثل إشارات تدل على الماضي والهوية والذاكرة المشتركة.

ويأتي العقال على رأس هذه الإشارات، فهو قطعة صغيرة بحجمها، لكنها ذات مغزى عميق، تلخص قرونًا من العادات وتعبر عن روح الأصالة العربية التي ظلت ثابتة رغم تغيرات الزمن.

جذور تمتد عميقًا في التاريخ

أوضح الباحث في التاريخ فاضل عاقل أن العقال مرتبط ارتباطًا وثيقًا بحياة البدو في شبه الجزيرة العربية، حيث نشأ في بيئات قاسية فرضت على الإنسان إيجاد أدوات بسيطة وعملية للتكيف. في بداياته، كان العقال مجرد حبل يُصنع من وبر الجمال أو صوف الأغنام، يُستخدم لتثبيت الغترة أو الشماغ على الرأس لحمايته من الرياح والرمال والشمس الحارقة.

ومع مرور الزمن، تطور هذا الاستخدام البسيط إلى تقليد راسخ، وتغيرت هيئته من حبل ملفوف إلى دائرة مزدوجة مُتقنة الصنع، تحمل في طياتها جانبًا جماليًا إلى جانب وظيفتها العملية.

بين الرمز والهوية

أشار عاقل إلى أن العقال لم يظل مجرد أداة تثبيت، بل أصبح رمزًا ثقافيًا واجتماعيًا غنيًا بالمعاني، إذ ارتبط ارتداؤه بالرجولة كإشارة للنضج والمسؤولية، وأضحى جزءًا أصيلاً من الهوية العربية، خاصة في دول الخليج، كتعبير عن الفخر بالتراث.

وفي بعض البيئات، كان شكل العقال أو طريقة ارتدائه تعكس مكانة الشخص أو انتماءه القبلي. كما ارتبط بمواقف تاريخية واجتماعية؛ ففي بعض التقاليد، كان الرجل يزيل عقاله تعبيرًا عن الحزن أو الاحتجاج، مما يعكس عمق حضوره في الوعي الجماعي.

صناعة تتقنها الأيدي وتحكيها الذاكرة

أوضح نبيل نحاس، المختص بالتراث الشعبي، أن صناعة العقال شهدت تحولًا كبيرًا عبر العصور، لكنها حافظت على روحها التقليدية. بعد أن كان يُصنع يدويًا من مواد طبيعية، أصبح اليوم يُنتج باستخدام تقنيات معاصرة مع الحفاظ على شكله التقليدي.

ومن أبرز أنواعه: العقال الأسود التقليدي الأكثر شيوعًا، والعقال المُطرّز بخيوط ذهبية أو فضية للمناسبات الرسمية، والعقال المرعز المصنوع من شعر الماعز ذو الملمس الخشن والمظهر التراثي.

يمثل الشرف والفخر

أوضح رئيس فرع الجمعية التاريخية بحماة عبد القادر فرزات أن للعقال مكانة كبيرة عند العرب، مضيفًا: “لا أبالغ إن قلت إن الكثير من العرب مستعدون للقتال دفاعًا عن عقالهم لأنه يجسد الشرف والفخر لكل عربي أصيل.”

وأشار فرزات إلى أن أصل العقال يعود إلى العراق، حيث ثار بنو عجل وشيبان احتجاجًا على إعدام ملكهم النعمان بن المنذر، فعقلوا رؤوسهم تعبيرًا عن اعتزازهم به وتحديًا لكسرى. ومنذ ذلك اليوم، أصبح العقال رمزًا للكرامة والشموخ.

أشكال العقال وتطوره

ذكر فرزات أن العقال كان بني اللون لأنه صُنع من وبر الجمال وشعر الخيوط، ثم تحول لاحقًا إلى الأسود كرمز للحزن على فقدان الأندلس، وتحول إلى العقال المُطرز الذي ارتبط بالملوك والأمراء في العراق والخليج العربي.

أنواع العقال واختلافاته حسب المناطق

أوضح فرزات أن هناك أنواعًا عديدة للعقال، ويشهد اليوم انتشارًا واسعًا إذ أصبح الزي الرسمي في غالبية الدول العربية. يُصنع معظمه من القطن أو الحرير الصناعي في الخليج، بينما يُصنع من الوبر الخالص في العراق، ويستخدم أهل الشام الصوف لنسجه. ويختلف حجمه من منطقة لأخرى، ففي الإمارات يُسمى “المقلوب” وفي قطر “شاي ليبتون”، بينما يُعرف بـ”العقال المرعز” في العراق والشام. وللموروث والذوق العام دور كبير في شكل العقال؛ إذ تفضل بعض القبائل في العراق وقطر إضافة خيطين وكركوشة للعقال، بينما تميل السعودية وبلاد الشام لتجنبها.

طريقة ارتدائه ودلالاتها

أشار فرزات إلى أن لطريقة ارتداء العقال رموز ومعاني تمتد من تاريخ القبائل العربية، وتختلف في مدن وقصبات الوطن العربي حسب الموروث والعادات. فميل العقال يمينًا أو شمالًا يرجع إلى قبيلتي شمر وعنزة للتفريق بينهما، ويُقال إنه يعكس حضارة الروح وعشقها.

أما وضعه في مؤخرة الرأس فيرمز إلى المواجهة والصراحة، وقد اعتاد الفرسان تنكيسه للأمام رمزًا على القوة والقيادة، بينما يُرتدى في منتصف الرأس كتاج للعرب.


اشترك بالإعلام الفوري بالاخبار الجديدة بالإيميل .. ضع بريدك