ليس وصفة جاهزة.. طريق الإصلاح المالي في سوريا بين التحديات والترتيبات
انطلق الإصلاح الاقتصادي في سوريا بعد التحرير بوصفه ضرورة مستدامة وضرورية لبلد أنهكته الأزمات الاقتصادية والمؤسساتية، وخيم عليه الفساد الإداري والدمار الهيكلي في البنى التحتية والنظام المصرفي وأنظمة الضرائب الواهنة، إضافة إلى تراجع الروابط مع المنظمات المالية الدولية كصندوق النقد والبنك الدولي. لذا، انطلقت خطة إصلاح مالية شاملة كانت لا بد منها.
ومع ذلك، يبقى التساؤل حول مسار هذه الإصلاحات المالية وأولوياتها وتأثيراتها محط اهتمام الجميع.
في هذا السياق، يشير الخبير الاستراتيجي والاقتصادي مهند الزنبركجي إلى أن التحدي في سوريا لا يتعلق بالأموال وحدها. القضية أكثر تعقيداً بسبب انهيارات المؤسسات، والتشوهات الاقتصادية العميقة، ونقص الخبرة في الإدارة الاقتصادية وسط بيئة غير مستقرة. من أجل إصلاح فعلي، لا يمكن أن تعتمد البلاد على حلول جاهزة بل تحتاج إلى عملية شاملة تبدأ باستعادة مقومات الدولة الأساسية.
وينوه الزنبركجي إلى أنه من المهم استلهام التجارب الدولية مثل توصيات صندوق النقد أو البنك الدولي، والتي تشير إلى أن استقرار النقد وثقة المؤسسات هما أساسا إصلاح المالية العامة.
ويوضح الزنبركجي أن الخطوة الأولى تتعلق بكسر الحلقة بين التضخم وانهيار العملة والعجز المالي، وهو ما زاد في سوريا بسبب اللجوء إلى تمويل العجز عن طريق الطباعة النقدية، ما أثر سلباً على القوة الشرائية. لذلك، يجب تعديل كيفية تمويل الدولة لنفقاتها بما يتماشى مع الموارد الحقيقية، وتقليص الاعتماد على التمويل التضخمي.
لتنفيذ هذا، يتطلب إعادة صياغة دور المصرف المركزي الداخلي ليكون داعماً للاستقرار بدلاً من جهة تمويلية، وهذا يتطلب تغييراً في صنع القرار السياسي والاقتصادي.
ويشير الزنبركجي إلى تحدي المالية العامة حيث أن الدولة فقدت القدرة على تحصيل الإيرادات في ظل نفقات غير فعالة. الحل لا يكمن في زيادة الضرائب، لأن الاقتصاد ضعيف، بل في تحسين النظام الضريبي ليكون أعدل. وكذلك مراجعة نظام الدعم، خصوصاً دعم الطاقة، بشكل متأنٍ لتجنب صدمة اجتماعية.
يؤكد الزنبركجي أيضاً على أن الاقتصاد السوري بحاجة إلى تعزيز القاعدة الإنتاجية ضعيفة، ولا يمكن تطبيق إصلاحات دون إعادة توجيه الموارد لقطاعات مثل الزراعة والصناعة. إزالة البيروقراطية وتوفير الأمان القانوني من شأنه أن يحفز النمو الاقتصادي.
وتزداد الأمور تعقيداً عند الأخذ بعين الاعتبار النظام المصرفي الضعيف وغير المرتبط بالعالم. هنا تبرز الحاجة لإجراء تغييرات تعزز الثقة بين المودعين والمؤسسات المالية.
المساهمة في إعادة الإعمار يجب أن تكون مدروسة لأنها قد تتحول إلى آلية للفساد إن لم تكن مشروطة ببيئة تنافسية وعدالة في توزيع الفرص.
برأي الزنبركجي، تداخل العوامل الداخلية والخارجية يزيد من تعقيد الوضع السوري. لذا الاعتماد على القدرات الذاتية يصبح أكثر حاجة.
في النهاية، يؤكد الزنبركجي أن الإصلاح المالي في سوريا ليس سلسلة من الإجراءات السريعة، بل هو عملية سياسية واقتصادية طويلة الأمد تعتمد على تحقيق الاستقرار المجتمعي وإعادة بناء الأدوات المالية والنقدية بترتيب محكم من الأولويات.

