«الطبع غلب التطبع».. مثل سوري شهير عن السلوك الذي يبقى ثابتاً
تحولت يوميات الحياة في الذاكرة الشعبية السورية إلى لوحة تعكس أحوال الناس، حيث إن الأرض لم تعد مجرد مكان للزراعة، والنباتات لم تكن مجرد محاصيل مؤقتة، بل باتت رموزًا تحتضن معاني عميقة تلخص التجارب الإنسانية بعبارات مختصرة.
مع قدوم موسم الثوم، يعود هذا المحصول إلى الواجهة محملاً بما يتجاوز رائحته القوية، إذ ارتبط في الأمثال الشعبية بمفهوم الطبع الذي يبقى ثابتًا رغم محاولات التغيير.
من الحقول خرج المثل الشعبي
يؤكد الباحث في التراث ومدير دائرة أوغاريت، الدكتور غسان القيم، أن الأمثال الشعبية في الريف السوري، وخصوصاً الساحلي، نشأت من التفاعل اليومي للناس مع الطبيعة والمجتمع، وتميزت ببساطة كلماتها وعمق معانيها.
ويشير القيم إلى أن الفلاح السوري القديم أدرك بالفطرة أن بعض الطباع تشبه جذور النباتات، تبقى ثابتة رغم تغير الظروف المحيطة، ومن هذا المنطلق جاء المثل الشعبي:
«زرعت راس توم ببستاني شكيته من مية الفل وعطر الورد سقيته وغبت عنه سنة ورجعت شميته التوم ضل توم وراح يلي حطيته»
رمزية المثل الشعبي
المثل لا يصف الثوم كنبات فحسب، بل يحوله إلى استعارة إنسانية عميقة، حيث الثوم المزروع بين الورود ورغم رعايته بالعطر، يبقى محتفظًا برائحته الأصلية، في إشارة إلى أن الجوهر الحقيقي لبعض الأشخاص لا يتغير بالمظاهر والسنوات.
ويؤكد القيم أن هذا المثل كان شائعًا في الأوساط الريفية، ليس بروح سخرية أو حدة، بل كنوع من الحكمة المكتسبة من تجارب الحياة.
حكمة خفية
ويضيف القيم أن المثل يحمل في طياته خيبة مكتومة أكثر مما يحمل إدانة، فهو يعبر عن أولئك الذين سعوا لمنح الآخرين الحب والفرص، لكنهم اكتشفوا أن بعض الطباع أقوى من كل محاولات التغيير.
ويؤكد أن الذاكرة الشعبية، بنزعتها الواقعية، ربطت بين رائحة الثوم والطبع الأول، وبين الورد ومحاولات التجميل التي قد تخفي الحقيقة مؤقتاً، لكنها لا تلغيها.
الأمثال.. حكمة البسطاء
ورغم بساطة كلمات المثل، إلا أنه يحمل فلسفة اجتماعية شاملة صاغها الناس بتلقائية، فبقي متداولًا عبر الأجيال، مثل رائحة الخبز الطازج من تنور القرية.
وفي زمن تتغير فيه الوجوه والظروف بسرعة، تظل الحكمة الشعبية تذكِّر بقولها القديم: «ليس كل ما يُسقى عطراً… يصبح عطراً».

