القامشلي

منذ ١٩٩٩ مستمرون

وسط الأنقاض والذكريات.. أسر تعود إلى بلداتها المهدّمة وتحتفل بالعيد بما تبقى من التفاؤل
مجتمع

وسط الأنقاض والذكريات.. أسر تعود إلى بلداتها المهدّمة وتحتفل بالعيد بما تبقى من التفاؤل

في بلدات جبل الزاوية التي أنهكتها النزاعات، يعود السكان إلى منازلهم التي تغيرت ملامحها بعد سنوات من الاضطراب والتشريد، حيث تتواجد الجدران المتشققّة والأسقف المنهارة، وأبواب افتقدت الحياة لفترة طويلة. على الرغم من الدمار، يحاول العائدون إعادة بناء شيء أعمق من الهيكل: الذكريات، والانتماء، والشعور بأن هناك منزلاً ما زال في انتظارهم.

في قرية عين لاروز، تجلس أم مصطفى أمام منزلها وتقول إن عائلتها عادت إلى مسقط الرأس بعد سنوات من النزوح. تشير إلى مكان في البيت وتستعيد ذاكرة: “هنا كان العيد، وهنا كان الأطفال يرتدون ملابس جديدة، وهنا كان الشهيد أبو مصطفى يساعدني في عمل كعكة العيد. أما الآن، فالأمور ليست كما كانت، ولكن مجرد وجودنا هنا يعيد لنا جزءاً من الروح”.

العودة إلى القرية لم تكن نهاية للمصاعب، بل بداية لنوع جديد منها. المنازل المهدمة تحتاج إلى من يعيد بناءها، والجروح تحتاج وقتاً لتلتئم، والأطفال بحاجة إلى عيد يلائمهم رغم كل شيء. العائلات العائدة إلى قرى الجبل تواجه واقعاً صعباً من نقص الكهرباء والمياه وغلاء الأسعار، بينما يقوم الكثيرون بترميم جزئي لمنازلهم باستخدام مواد بسيطة أو بمساعدة الأهل والجيران، بعضهم يقيم في غرفة واحدة صالحة للعيش فيما تبقى بقية أجزاء المنزل مدمرّة.

جهاد سمير العبد الله من قرية الموزة، وهو أب لثلاثة أطفال، يقول: “العودة من المخيم إلى القرية لم تكن قراراً سهلاً، لكنها كانت ضرورة. هنا نحن بين أرضنا وذكرياتنا، نحاول أن نزرع ونرتب البيت المدمر ولو بإمكانيات متواضعة”.

ومع اقتراب العيد، تبدو التحديات أكبر حيث تعتمد معظم العائلات على الأعمال اليومية أو المساعدات المحدودة لتلبية احتياجاتها الأساسية. شراء ملابس جديدة للأطفال أصبح رفاهية، بينما تلجأ الأمهات إلى إعادة تدوير الملابس القديمة أو تبادلها بين الأقارب، أو شراء ملابس مستعملة.

الروح الجماعية تسدّ العجز عندما لا تكفي الإمكانيات لإحداث الفرح. العيد في قرى جبل الزاوية ليس احتفالاً فردياً، بل حكاية مشتركة يتقاسمها الجيران قبل الأقارب. أم ياسر من قرية كنصفرة تقول: “العيد بالنسبة للأطفال فرحة، ونحن نحاول أن نصنع الحلويات بالمواد المتاحة، ونجهز ما يمكن حتى يبقى للعيد معنى”.

في الأسواق المحلية، تقتصر الحركة التجارية على الضروريات، حيث تعتمد العائلات على إنتاج أراضيها الزراعية، ويتشارك الجيران الطعام والمستلزمات في مشهد يعكس روح التعاون المفروضة بالظروف.

المخيمات ما زالت مفتقرة للخدمات والكثير من النازحين ينتظرون التحسينات ليتمكنوا من العودة إلى قراهم. حتى ذلك الحين، يكافح هؤلاء من أجل البقاء حيث هم. هناك خطة حكومية لتسهيل عودة السكان إلى قراهم، ويتحدث الناشطون عن تقليص عدد المخيمات بعد التحرير.

الخدمات تراجعت بشكل ملحوظ بعد أن توجهت العديد من المنظمات إلى الداخل السوري، وتبذل الجهود لتحسين الأوضاع في المخيمات، خاصة خلال العيد.

في الختام، يصنع السوريون عيداً مختلفاً وسط الدمار والذكريات، عيداً لا يُقاس بحلويات العيد أو زينة الأضواء، وإنما بروح التحدي التي لا تكسر، وبالتضامن الذي يصبح جداراً متيناً يسند المتعبين. عيد الأضحى هذا العام هو عيد العائدين، عيد لمن اختاروا أرضهم رغم كل شيء، عيد الأمل الذي لا يموت.


اشترك بالإعلام الفوري بالاخبار الجديدة بالإيميل .. ضع بريدك