الابتعاد يعزز الشوق لحياة الريف ويستحضر ذكريات رائعة رغم صعوبة العيش
ذكريات الطفولة في جبال الساحل السوري لها روعتها الخاصة التي تبقى محفورة في القلب والذاكرة، ولا يمحوها البعد عن الوطن مهما طال الزمن، بل تزداد الشوق لتلك الأيام القديمة التي تنبض بعبق الماضي الرائع.
الدكتور المغترب جوليان بدور يستعيد لحظات حياته في بلدته الجميلة، في لقاء خاص.
زمن النقاء والطفولة
يقول بدور: «كلما استرجعت ذكرياتي عن طفولتي ويافعي في بلدتنا الهادئة، أشعر وكأنني أعود إلى زمن النقاء والطفولة، بلا كهرباء أو سيارات، كانت بلدتي تغفو على نور القمر وتستيقظ على زقزقة العصافير، لم تكن هناك شاشات تسلب الوقت، بل كانت الحياة بسيطة وصادقة مليئة بالبهجة».
حقول التبغ.. منظر شاعري
يتذكر بدور حقول التبغ الخضراء التي كانت تضفي جمالية على تضاريس البلدة، وكأنها بساط أخضر يغمر المكان سحراً، رغم أن زراعة التبغ كانت متعبة ومرهقة، إلا أن سكان البلدة لم يكن لديهم بديل آخر، لأنه كان مصدر العيش الوحيد لتعليم الأبناء وتوفير لقمة العيش.
رحلة التبغ.. من فبراير إلى يناير
تنطلق رحلة زراعة التبغ في شباط ولا تنتهي قبل كانون الثاني.. في فبراير، كان الأهالي يجهزون «السكاكيب» لزرع البذور، وكانت والدتي تضيف السماد وتغطي المسكبة بالبلاستيك، وعلى مدى شهرين، كنا نكشف المساكب يومياً لسقايتها، ثم نعيد تغطيتها لحماية البذور من الصقيع، مع أبريل، تصبح البذور جاهزة للزراعة.
الزراعة والسقاية.. تحدي يومي
في مايو، بينما يقوم والدي بإعداد الأرض، كانت والدتي وأخواتي يقتلعن الشتلات ويضعنها في صناديق تحملها الدواب إلى الحقول البعيدة، وقبل الزراعة، كنا نوفر المياه، إن تواجد نبع قريب، كان الأمر سهلاً، وإلا كنا نجلبه بوساطة «الراوية» على ظهر الدواب في رحلة متكررة طوال اليوم.
الزراعة والعمل الدؤوب
أما زراعة الشتلات، فكانت تتولاها والدتي وأخواتي وهن منحنات الظهر طوال اليوم، أما أنا فكنت أتولى السقاية، وقبل الظهيرة، كانت والدتي تعود لتحضير الغداء، وفي أحد الأيام، وأنا في الخامسة عشرة، تطوعت لتحضير الطعام بدلاً منها، شكرهم لي أضفى علي شعوراً بالسعادة، حتى وإن كانت المجدرة ناشفة قليلاً.
جني التبغ ومتاعب الظهر
بعد شهرين، يقول الدكتور بدور تبدأ مرحلة الجني عندما يتحول لون الأوراق إلى الاصفرار، كنا نستيقظ قبل شروق الشمس، ونحمل «تنكة» نجمع فيها الأوراق، ثم نُفرغها في شوال، ولم تقتصر المتاعب على آلام الظهر، بل كنا نزيل الدبق الذي تتركه الأوراق بفرك أيدينا بالتراب.
شجرة التين الزريقي
في طريق العودة، كانت هناك شجرة تين نطلق عليها «الزريقي»، كنا نتسابق لملء الشوال والوصول إليها، وكانت ثمارها ألذ وجبة فطور بعد جهد طويل.
عند العودة، يقول بدور كنا نجلس حول أكوام التبغ لنبدأ عملية «شك» الأوراق بالمسلة، من الصباح حتى المساء، وكنا نقيم مسابقة لمعرفة من الأسرع، وكنت أحتل المرتبة الثانية بعد أختي «بحرية»، كانت المسابقة تضفي سعادة رغم المشقة.
الراديو.. نافذة على العالم
ويختتم بدور ذكرياته قائلاً: «إن أجمل رفيق لي كان الراديو، الوسيلة الترفيهية الوحيدة، اكتشفت بفضله عالماً أوسع من حدود البلدة، عالم الأخبار والفن والموسيقى، وأصواتاً خالدة».

