بين الرهبة والطمأنينة.. تتكون صورة مستقبل الصغار… وبين الشدة والرعاية نقيم مجتمعاً قادراً على التقدم
في إطار التربية الحديثة، يظهر تساؤل مهم يشغل عقول الكثير من الآباء: كيف نربي أولادنا على نحو سليم عاطفياً، قادرين على الاستقلالية والاعتماد على أنفسهم، دون الوقوع في شرك القسوة الزائدة أو التدليل المبالغ فيه؟ هذا التساؤل يتجسد صباح كل يوم على أبواب المدارس ورياض الأطفال، حيث يتعلق الطفل بأمه باكياً، بينما تكون الأم بين حيرة المربين ونظرات المارة التي قد تتهم الطفل بالضعف أو تلوم الأم على التدليل الزائد.
وماذا لو كان هذا البكاء والخوف من الفراق ليس علامة ضعف أو تدليل، وإنما خطوة مهمة نحو بناء شخصية مستقلة بالفعل؟ وكيف يمكن التفريق بين التعلق الصحي والدلال المفرط؟
التعلق الآمن هو مفتاح الاستقلال
تشرح الأخصائية النفسية فاطمة البارودي أن قلق الانفصال الذي يظهر لدى الأطفال بين الشهر السادس والثالث من العمر ليس اضطراباً نفسياً كما يظن البعض، بل هو مرحلة تطورية طبيعية تدل على نضوج الإدراك العاطفي للطفل ووعيه بأن الأم هي مصدر الأمان الأول.
وأوضحت البارودي أن هذه الحالة تنقسم إلى نوعين رئيسيين: النوع الأول هو قلق الانفصال الطبيعي المرتبط بـ”التعلق الآمن”، الذي يظهر تدريجياً ويختفي مع الاستجابة التربوية السليمة، وهو دليل على نمو عاطفي ومعرفي سليم للطفل. النوع الثاني هو اضطراب قلق الانفصال الحقيقي، وهو حالة تحتاج إلى علاج متخصص عند استمرارها لأكثر من أربعة أسابيع مع ظهور أعراض شديدة مثل نوبات الهلع والتقيؤ المتكرر.
مضيفة أن الأطفال الذين يكبرون في بيئة توفر لهم التعلق الآمن يكتسبون ثقة داخلية تمكنهم من المغامرة والاستكشاف، بينما الأطفال المحرومون من هذا الأمان أو الذين يُعاملون بقسوة ينموون ليصبحوا إما متعلّقين بشدة بالآخرين أو متجنّبين للعلاقات الحميمة. هذه الظاهرة تؤكدها نظريات العالم جون بولبي.
مفاهيم تحتاج إلى إعادة النظر
أشارت البارودي إلى وجود خلط شائع في الوسط التربوي السوري بين التعلق الصحي والدلال الزائد، مما يدفع بعض الآباء إلى اتباع أساليب قاسية في التربية، باعتقاد أنها تبني شخصية قوية ومستقلة. موضحةً أن قمع مشاعر الخوف بدلاً من توجيهها يؤدي إلى اضطرابات نفسية في فترات لاحقة.
وصفة علاجية من العيادة النفسية
وضعت البارودي خطة علاجية تتألف من خمس استراتيجيات رئيسية قابلة للتطبيق:
أولاً: وداع قصير وثابت
أن يخصص وقت لا يتجاوز الثلاثين ثانية للوداع مع اتباع طقس يومي ثابت، مثل قبلة أو كلمة سرية، مع الالتزام بالثبات وعدم الإطالة أو التسلل للخروج، لأن الإطالة تزيد القلق والتسلل يهدم الثقة.
ثانياً: التدرج في الانفصال
جدول زمني يبدأ بفترات انفصال قصيرة ويزداد تدريجياً، مع ضرورة عودة الأم قبل انتهاء المدة المتفق عليها بدقائق قليلة لتعزيز الثقة.
ثالثاً: تعزيز لحظة العودة
استقبال الأطفال بحفاوة وعناق وكلمات إيجابية لتأكيد الوفاء بالوعد.
رابعاً: تطبيع المشاعر وإعادة صياغتها
تجنب عبارات الكبت واستبدالها بعبارات تحقق مثل “أرى أن خوفك كبير”، لتعزيز التفاهم.
خامساً: الطمأنينة الرمزية
تقديم شيء يرمز للأم كالوشاح أو الصورة، مع جملة طمأنة ليكون جسراً عاطفياً خلال الغياب.
متى يجب الاستشارة المتخصصة؟
مع أن معظم حالات قلق الانفصال طبيعية، إلا أن البارودي تشدد على ضرورة اللجوء إلى اختصاصي نفسي عند استمرار الأعراض لأكثر من أربعة أسابيع مع أعراض خطيرة مثل نوبات الهلع الشديدة، رفض عنيف للمدرسة، أو كوابيس متعلقة بالانفصال.
ملامح المستقبل
ختاماً، تنصح البارودي بعدم بناء قوة الأطفال على أساس القسوة، بل على الأمان، فبين الخوف والأمان تتشكل ملامح مستقبل الأجيال، وبالقسوة والاحتضان نبني مجتمعاً قادراً على التقدم. الشخصية القوية تبدأ من طفولة آمنة وعاطفة متوازنة.

