التحدث مع الذات.. هل يعد سلوكاً طبيعياً أم إشارة تستلزم الانتباه؟
من البحث عن المفاتيح إلى السيطرة على القلق، يمكن أن يكون التحدث بصوت مسموع مع الذات جزءاً من استراتيجيات التركيز والتذكر وإدارة المشاعر، طالما أن الشخص واعٍ لمصدره وقادر على التحكم فيه.
«أين تركت المفاتيح؟»، «هل أغلقت الباب؟»، «ماذا كنت أخطط أن أفعل؟».. هذه أسئلة تبدو عابرة، لكنها تتكرر في تفاصيل الحياة اليومية، وأحياناً تصدر من الشخص بصوت مرتفع قبل أن يسمعها من حوله.
وقد يجد الإنسان نفسه يتحدث أثناء محاولته العثور على هاتفه، أو تنظيم خطوات يومه، أو التحضير للقاء عمل أو موقف يسبب التوتر.
الكلمات كوسيلة للتفكير
يقول الطالب محمود طريف إن الإنسان لا يعيش دوماً في هدوء داخلي، إذ تتحول الأفكار أحياناً إلى كلمات مسموعة عند محاولة ترتيب مهمة، أو حل معضلة، أو استحضار معلومة، أو استعادة مكان وضع فيه غرضاً.
يرى طريف أن سؤالاً مثل «أين وضعتها؟» قد يمثل محاولة لاسترجاع المكان الأخير الذي وضع فيه الشيء، فيما يساعد نطق الكلمات على تنظيم عملية البحث وإبعاد الاحتمالات غير الصحيحة.
ولا يقتصر الحديث مع الذات على النسيان، بل يظهر أيضاً عند ترتيب المهام اليومية، وتكرار خطوات مهمة قبل تنفيذها، وتشجيع النفس قبل مقابلات أو اختبارات، أو محاولة تهدئة الأعصاب.
يرى الخبير النفسي وائل بدري أن الحديث مع الذات يمكن أن يُؤدي وظيفة معرفية واضحة، إذ يساعد الشخص على تحويل الأفكار المتناثرة إلى عبارات أكثر تنظيماً.
وعندما يعبر الشخص بصوت مرتفع عن خطته لإنهاء مهمة أولاً، ثم إجراء اتصال، وبعدها التوجه لمكان آخر، فإنه لا يصف أفعاله فقط، بل يرسم لنفسه مساراً واضحاً للعمل.
ويضيف إن تكرار الإجراءات بصوت مسموع قد يساعد على التركيز، خصوصاً في المهام متعددة المراحل، كما أن إعادة صياغة المشكلة بالكلمات قد تتيح النظر إليها من زاوية مختلفة.
يمتد الأمر إلى الحديث الإيجابي مع النفس، فعبارات مثل «سأتجاوز هذا التحدي» أو «ليس هناك داعٍ لكل هذا القلق» قد تتحول إلى وسيلة للمساعدة في تقليل التوتر واستعادة هدوء النفس.
عندما لا تكون المشكلة في الذاكرة
مواقف مثل البحث عن الهاتف أثناء حمله، أو نسيان موضع غرض، أو دخول غرفة ونسيان السبب، قد تثير القلق بشأن الذاكرة، لكن بدري يؤكد أن هذه الحالات، بمفردها، لا تعني بالضرورة وجود مشكلة صحية.
يقول مثنى من سكان العدوي إن التركيز والتذكر يتأثران بالإرهاق وقلة النوم والضغط النفسي وتعدد المهام وتدفق المعلومات، فضلاً عن الانشغال المستمر بالهواتف والشاشات، وقد تكون المشكلة في بعض الأحيان في أن الانتباه لم يكن كافياً عند وقوع الحدث، وليس في قدرة الذاكرة على تخزينه.
لذا، فإن قول الشخص «وضعتها على الطاولة» أو «أنا الآن أغلق الباب» قد يمنح اللحظة انتباهاً ذهنياً أكبر، ويساعد لاحقاً على تذكرها.
متى يصبح الأمر بحاجة إلى اهتمام؟
أشار مثنى إلى أن المعيار الأساسي ليس مجرد التحدث بصوت مسموع، وإنما طبيعة الحديث ومدى إدراك الشخص لمصدره وقدرته على التحكم فيه.
إذا كان الشخص يعرف أنه يتحدث مع نفسه ويدرك أن الصوت نابع منه، فذلك يختلف عن سماع أصوات تبدو صادرة من خارج نفسه أو تعود إلى أشخاص آخرين دون وجود مصدر حقيقي. في مثل هذه الحالات، يصبح التقييم لدى مختص بالصحة النفسية خياراً مناسبا.
وينطبق الأمر كذلك إذا صاحب السلوك ارتباك شديد أو معتقدات غير واقعية، أو خوف واضطراب مستمر، أو بدأ يؤثر على العمل والعلاقات والحياة اليومية.
في النهاية، لا يبدو السؤال «أين وضعتها؟» غريباً بقدر ما يعكس طريقة يحاول بها العقل تنظيم ما يجري من حوله.
والفارق الحقيقي ليس في عدد المرات التي يتحدث فيها الشخص مع نفسه، بل في طبيعة هذا الحوار: هل يعزز التفكير والتنظيم والهدوء، أم يتحول إلى مصدر ارتباك وإعاقة؟

