القامشلي

منذ ١٩٩٩ مستمرون

زراعة تزيد عن مليوني شجرة من الرمان.. قصة «الثروة الحمراء» على ضفاف الفرات
أخبار المحافظات

زراعة تزيد عن مليوني شجرة من الرمان.. قصة «الثروة الحمراء» على ضفاف الفرات

على الجانب الأيسر من نهر الفرات، حيث تنبسط التربة الطينية الداكنة بجوار مياهه، تبدو حدائق الرمان في قرية السوسة قرب البوكمال وكأنها تفتتح فصلاً جديداً من الحياة. مع اقتراب نهاية سبتمبر، تتعلق الثمار الحمراء بأغصان الأشجار، جاذبة المزارعين والعمال إلى الحقول، لتعلن بدء موسم الحصاد الذي لا يُعتبر مجرد فترة زراعية عابرة، بل فرصة سنوية تتجدد معها قصة تمتد لأكثر من سبعين عاماً.

في السوسة، لا يُنظر إلى الرمان كمحصول زراعي فقط، بل يُعتبر “الذهب الأحمر” المرتبط بالأرض والناس، ومعيشة سكانها وتاريخهم، وأصبح جزءاً لا يتجزأ من الهوية الاقتصادية والاجتماعية للمنطقة.

وفقاً للمهندس الزراعي عبد الرزاق، تغطي بساتين الرمان مساحات شاسعة، حيث تشكل حوالي 70% من أراضي البلدة. ينتشر هذا النوع من الزراعة في عدة قرى مثل العرقوب والمراشدة والبوبدران.

وتتضمن هذه المناطق أكثر من مليوني شجرة رمان، موزعة على مساحة تصل إلى 22 ألف دونم، بينما تتراوح إنتاجية كل دونم من طنين إلى أربعة أطنان سنوياً. تتميز هذه الأشجار بقدرتها على التكيف مع الظروف المحلية، فتقاوم الجفاف وتستمر في العطاء معتمدة على نظام الري المستخدم، مما يضمن تواجد الثمار في الحقول كل موسم.

مع اقتراب موسم الحصاد، تتحول البساتين إلى خلايا عمل ناشطة، حيث تمتد أيدي العمال إلى الأغصان المحملة بالثمار، وتبدأ السيارات بنقل المحصول إلى الأسواق، محركةً بذلك عدداً من المهن والخدمات المرتبطة بهذا الموسم.

ولا تقتصر قصة الرمان على الحقول فقط، إذ يعتمد أكثر من 80% من سكان المنطقة على هذه الزراعة كمصدر أساسي للدخل، ما يجعل موسم الحصاد موعداً اقتصادياً هاماً ينتظره العديد من الأسر سنوياً. يستمر الموسم عادةً حتى نوفمبر، موفراً فرص عمل في مختلف المراحل من القطاف إلى النقل، ومحرّكاً لحركة الشاحنات التي تنقل محصول السوسة لمختلف أنحاء سوريا.

ولا يقتصر استغلال المحصول على بيعه طازجاً، بل يتعدى ذلك إلى الصناعات الغذائية المحلية كالشراب ودبس الرمان، مما يضيف قيمة اقتصادية للثمار ويتيح الاستفادة منها طوال العام. وقد شهدت قرية العرقوب بناء أول مصنع لهذه المنتجات عام 2007.

زراعة الرمان في السوسة هي جزء لا ينفصل من هوية المنطقة، فالثمار تُعرف محلياً بنكهتها المميزة التي تجمع بين الحموضة والحلاوة، وهي خصائص تأثرت بالمناخ ومرحلة النضج. هذه الخصائص أصبحت جزءاً من التراث الشعبي المحلي، تُتناقل بين الأجيال كما تُتناقل تفاصيل الأرض ومواسمها.

ورغم التحديات التي واجهتها هذه الزراعة في السنوات الماضية، يواصل المزارعون العمل على تطوير حقولهم وتحديث أساليب الزراعة والتسويق لإعادة الرمان لمكانته كأحد مصادر الدخل وفرص العمل الأساسية.

وبفضل الجهود المستمرة، بدأت المعالم الزراعية تستعيد قوتها تدريجياً، حيث يعمل الأهالي على تنشيط البساتين من جديد وتطوير أساليب الإنتاج والتسويق، بهدف الحفاظ على هذه الزراعة وضمان استمراريتها للأجيال المقبلة. وتأتي المهرجانات السنوية للرمان كفرصة للاحتفاء بالمحصول والمزارعين والتعريف بجودته، مانحةً موسم الحصاد بُعداً آخر يمزج بين الزراعة والتراث المحلي.


اشترك بالإعلام الفوري بالاخبار الجديدة بالإيميل .. ضع بريدك