القامشلي

منذ ١٩٩٩ مستمرون

18 مارس... عندما يستفيق الوطن من ذاكرة الشهداء
اقتصاد

18 مارس… عندما يستفيق الوطن من ذاكرة الشهداء

هذا العام، تأتي ذكرى الانتفاضة السورية مختلفة، إذ تحلّ بعد عام على نجاحها، لتمهد الطريق لمرحلة جديدة تتمثل في إعادة إعمار سوريا واستعادة مكانتها السياسية والاقتصادية. بين ذكريات مثقلة بالدماء، وأفق يتشكل ملامحه اليوم، يبدأ التحول الحقيقي نحو إعادة تشكيل الاقتصاد السوري وتهيئة مناخ الاستثمار والتعافي.

مرّ عام كامل منذ لحظة التحول الكبرى، عامٌ لم يكن مجرد زمن عابر بل كان مرحلة اختبار حقيقية لما بعد النصر، حيث تحولت سوريا من منطق المواجهة إلى منطق البناء، ومن الحلم بالتغيير إلى مسؤولية تطبيقه على أرض الواقع، بكل ما يتضمنه هذا من تحديات اقتصادية ومعيشية.

في هذا السياق، يؤكد رئيس غرفة تجارة اللاذقية أنس جود أن الاحتفال هذا العام يحمل معنى مختلفاً تماماً، لأنه يأتي بعد تحقق الهدف الذي ناضل السوريون من أجله، مشيراً إلى أن الانتفاضة لم تعد تُقرأ كحدث تاريخي، بل كنقطة انطلاق لمرحلة اقتصادية جديدة.

ويضيف جود أنه لم يعد الهدف إسقاط واقع قديم، بل العمل على بناء واقع جديد، مشدداً على أن القطاع التجاري، رغم كونه من أكثر القطاعات تأثراً خلال النزاع، يقف اليوم أمام فرصة حقيقية لاستعادة دوره كمحرّك رئيسي للاقتصاد.

كما يرى أن تحسن العلاقات الخارجية وعودة الحضور الدبلوماسي السوري يشكلان مدخلاً عملياً لتحفيز التجارة، وفتح أسواق جديدة للمنتجات السورية، مما يعيد تدريجياً حركة الاقتصاد إلى مسارها الطبيعي.

لكن التحول لا يقف عند حدود التجارة، بل يتجاوزها إلى إعادة صياغة بنية الاقتصاد السوري بشكل كامل، حيث تفرض مرحلة ما بعد الانتصار تساؤلات أعقد حول كيفية تحويل النصر السياسي إلى مشروع اقتصادي دائم.

وفي قراءة أعمق، يقدم الخبير في دراسات الجدوى الاقتصادية والاستراتيجيات المالية الدكتور محمد فرحات تصوراً لهذه المرحلة، معتبراً أن ما جرى ليس مجرد تحول سياسي، بل لحظة تأسيس اقتصادي تتطلب رؤية طويلة الأمد.

ويؤكد فرحات أن سوريا تمتلك عناصر نهوض حقيقية، منها موقعها الجغرافي الذي يشكل رابطاً بين القارات، بالإضافة إلى رأس المال البشري السوري، وخصوصاً الكفاءات الموجودة في الخارج، والتي يمكن أن تلعب دوراً حاسماً في عملية إعادة البناء إذا تهيأت لها بيئة مناسبة للعودة.

ويشدد على أن نجاح هذه المرحلة مرتبط بإصلاحات مالية وتشريعية واضحة، وتطوير بيئة الأعمال بما يعزز الثقة لدى المستثمرين، داعياً إلى تحويل الشعور الوطني إلى مشروع اقتصادي، موضحاً أنه التحدي الحقيقي للدولة السورية اليوم.

من جانب آخر، يربط رجل الأعمال المهندس محمد المرجاوي بين البعد السياسي والاقتصادي للتحول، مشيراً إلى أن نجاح الانتفاضة لم يطوِ صفحة الاستبداد فقط، بل فتح الباب لبناء دولة حديثة ومنفتحة.

ويشير المرجاوي إلى أن العام الأول بعد سقوط النظام السابق شهد مؤشرات واضحة على عودة سوريا إلى الساحة الدولية، من خلال المشاركة السياسية في المحافل العالمية، وإعادة افتتاح السفارات، واستئناف العلاقات الدبلوماسية، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على المناخ الاقتصادي.

اقتصادياً، يُلاحظ تحسن نسبياً في توفر السلع، إلى جانب جهود حكومية لرفع مستوى المعيشة، مثل زيادة الرواتب والعمل على استقرار سعر العملة، إضافة إلى تنشيط ملف الاستثمار عبر توقيع اتفاقيات في مجالات حيوية كـ الطاقة والاتصالات والعقارات.

ويؤكد أن تعديل القوانين الاستثمارية وتبسيط الإجراءات يمثلان نقطة أساسية في جذب رؤوس الأموال، مشدداً على أن المرحلة المقبلة ستُختبر بمدى قدرة الدولة على تحويل هذه الجهود إلى نتائج ملموسة.

وبين هذه المؤشرات، يتفق مراقبون على أن اللحظة الحالية ليست عادية، بل تشكل فرصة تاريخية نادرة لإعادة صياغة الاقتصاد السوري على أسس أكثر فاعلية وانفتاحاً.

اليوم، يقف السوريون بين ذاكرتين: ذاكرة الانتفاضة التي كُتبت بالتضحيات، وذاكرة الدولة التي بدأت تُكتب بالفعل. وبينهما، تتجلى ملامح مرحلة جديدة، لم تعد فيها الثورة شعاراً، بل مشروع وطن يُعاد بناؤه بإرادة قوية، وتاريخ يُكتب هذه المرة بعزيمة مختلفة… لا تكتفي بالنصر، بل تسعى لحمايته عبر بناء دولة قادرة على الاستمرار.


اشترك بالإعلام الفوري بالاخبار الجديدة بالإيميل .. ضع بريدك