القامشلي

منذ ١٩٩٩ مستمرون

سوريا نحو الاستقلال الرقمي... هل يكون التحول من DAS؟
اقتصاد

سوريا نحو الاستقلال الرقمي… هل يكون التحول من DAS؟

في إطار عملية إعادة الإعمار، لا تُعتبر التغييرات الكبيرة متمثلة فقط بما يتم تشييده على الأرض، بل أيضاً بما يُعاد بناؤه في البنية الخفية للدولة. في سوريا اليوم، ومع إعادة التفكير في هيكل الاقتصاد والخدمات، يبرز مشروع الأنظمة التوزيعية للهوائيات كأحد المؤشرات التقنية التي قد تتعدى تحسين جودة الاتصال، متجهة نحو تحول نحو دولة رقمية متكاملة أكثر.

أعلنت وزارة الاتصالات والتقانة عن طلب معلومات لإنشاء بنية تحتية للأنظمة التوزيعية للهوائيات تستهدف تغطية المنشآت الحيوية. على الرغم من الطبيعة التقنية للمشروع، فإنه يحمل دلالات عميقة حول كيفية بناء البنية الرقمية للدولة السورية في المستقبل.

يوضح الدكتور محمد عمار بلول، خبير الذكاء الاصطناعي ومستشار الحكومات الذكية، أن بناء البنية الرقمية يبدأ من تطوير شبكة اتصالات متقدمة، تكون الدعامة الأساسية لكافة الأنظمة الرقمية المستقبلية، مما يحدد كفاءة الدولة في البيئة الرقمية المدمجة.

ويرى الخبير أن مشروع الهوائيات الموزعة لا يمكن اعتباره مجرد تحسين تقني، بل هو خطوة أساس في مسيرة واسعة لإعادة إنشاء البنية الرقمية للدولة. فالنظام يعتمد على توزيع شبكة من الهوائيات الصغيرة في الأبنية العامة، ترتبط بنظام مركزي موحد، مما يسمح بتوفير تغطية موحدة لمشغلي الاتصالات ضمن بنية مشتركة، ويقلل من ازدواجية الشبكات وتكاليفها.

ويشرح بلول أن هذه المبادرات تؤسس لقاعدة رقمية سيادية يمكن بناء الخدمات الحكومية والاقتصادية المستقبلية عليها. ويشير إلى أن هذه البنية تعد قاعدة للتشغيل وليست مجرد وسيلة اتصال.

ويشير أحد التحولات الكبرى لهذا النموذج إلى تبني مفهوم “المضيف المحايد”، والذي يعيد تشكيل المنافسة في قطاع الاتصالات بحيث يصبح التركيز على جودة الخدمات المقدمة بدلاً من بناء شبكات متوازية. يوضح بلول أن التحول يكمن في الانتقال من الاستثمار في البنية إلى الاستثمار في الخدمات والتطبيقات الرقمية.

هذا التوجه يسهم في تقليل التكاليف التشغيلية ويوجه الموارد نحو الابتكار، مما يعزز من دور قطاع الاتصالات كمحرك للنمو الاقتصادي في ظل التحول العالمي نحو الاقتصاد الرقمي.

ويربط بلول بين مشاريع كهذه وبين الحكومة الرقمية، مشيراً إلى أن نجاح الخدمات الحكومية الرقمية يعتمد بشكل كبير على جودة الشبكات، مما يجعل الاستثمار فيها خطوة أساسية لأي تحول حكومي ناجح.

تتحول المنشآت العامة إلى نقاط متصلة ضمن شبكة وطنية شاملة، حيث ترتبط الخدمات الرقمية، مثل الهوية الإلكترونية والدفع الرقمي، بقدرة البنية على العمل بكفاءة.

في سياق إعادة الإعمار، يرى بلول أن سوريا لا تواجه فقط إعادة بناء ما تضرر، بل تسعى لتبني نماذج حديثة منذ البداية، موضحاً أن المرحلة الحالية توفر فرصة لتخطي العديد من المراحل التقليدية والانتقال مباشرة إلى بنية رقمية متقدمة.

هذا الطرح يعكس القدرة على تحقيق تقدم نوعي في التحول الرقمي، وتقليص الزمن اللازم لإنشاء نظام اقتصادي رقمي يعمل بفعالية مع المتغيرات العالمية.

اقتصادياً، يعتبر بلول أن نموذج DAS يفتح أفقاً جديداً للاستثمارات، حيث تتحول البنية التحتية من عبء تشغيل إلى أصول قادرة على توليد الدخل، مما يوفر جاذبية للسوق التقنية ويشجع على بناء شراكات جديدة.

ويؤكد الخبير على أهمية السيادة الرقمية، مشيراً إلى أن بنية تحتية رقمية متطورة تعزز من قدرة الدولة على إدارة بياناتها بشكل أمثل، مع زيادة مستويات الأمان السيبراني، خاصة في القطاعات الحساسة.

لا تتوقف أهمية هذه البنية عند الاتصالات فحسب، بل تمتد لتشكل قاعدة لتطبيقات مثل الذكاء الاصطناعي والحوسبة الطرفية، مما يسهل تطوير خدمات تعتمد على المعالجة الفورية للبيانات ويعزز من كفاءة الأداء في مختلف القطاعات.

يبدو أن مشروع DAS هو أحد المشروعات الاستراتيجية التي تشكل ملامح الدولة في المستقبل. إعادة الإعمار ليست فقط في البنية المادية، بل تشمل إعادة تأسيس البنية الرقمية المبتكرة لكافة الخدمات.

الاستثمار في البنية الرقمية لم يعد مجرد خيار تقني، بل هو مسار استراتيجي يعكس توجه الدولة نحو نموذج حديث يعتمد على الكفاءة والمرونة. في هذه الرؤية، ترتبط السيادة بجودة الشبكة.


اشترك بالإعلام الفوري بالاخبار الجديدة بالإيميل .. ضع بريدك